العراق وصناعة أمراء الحرب

دياري صالح مجيد*

في ظل التخبط الحكومي الكبير من موضوع ادارة الازمات المتراكمة التي انتجتها تجربة مابعد 2003، والعراق مستمر بصناعة الامراء القبليين والعسكرين بمسمياتهم المختلفة. فالدولة في اضعف حالاتها وهي مضطرة في كثير من الاحيان الى التناغم مع المشاريع التي انتجت مثل هذه الحالات السلبية في مجتمعنا بحجج مختلفة من بينها الحفاظ على الحد الادنى من الامن الذي بات امنية صعبة المُنال في عراق منقسم على نفسه في كل شيء طائفيا – دينيا – قوميا ومناطقيا.

ففي ظل التطورات الاخيرة التي برزت في المشهد العراقي بعد احتلال الموصل من قبل قوات داعش، برزت فكرة مهمة بدات تراود العديد من القادة العراقيين. وهي فكرة تشكيل الحرس الوطني التي تشير بوادرها الاولى بانها مشروع يسعى الى اضفاء مزيد من العسكرة على مدننا المثقلة بالاساس بمقدار عال من الفوضى التي ترتبت على انتشار لغة السلاح في كل تفاعلاتها الخارجة عن السيطرة في ظل تمدد خطير للعديد من التنظيمات التي تدعي بانها تحارب نيابة عن الطائفة التي تمثلها.

لم يكن هذا المشروع بالامر الجديد في العراق فهو بالاساس اعادة انتاج لتجربة الصحوات التي عُرفت في الاعوام 2004- 2005. لذا فان واشنطن هي الاخرى تعد العراب الحقيقي لهذا المشروع الذي تريد اختباره في المدن العراقية بحجة مساهمته الممكنة في تغيير خريطة تفاعل السكان المحليين مع المنظومة العسكرية على اعتبار ان السنوات الماضية انتجت اشكالية كبيرة اسهمت بشكل حرج في سقوط المدن العراقية بيد داعش. هذه الاشكالية تمثلت في محورين الاول فقدان الثقة بين سكان المناطق السنية والجيش العراقي الذي كان يُنظر له على انه جيش طائفي يسمى تارة بجيش المالكي واخرى بالجيش العراقي الشيعي!. والمحور الاخر تمثل في شكوى الاهالي من ممارسات الجيش الذي أُتهم لاحقا بانه ترك الموصل بيد داعش ولم يدافع عنها لاسباب طائفية ايضا!. وهي رؤى تعززت بفعل الاعلام المعادي للعراق الذي استغل بعض الثغرات والتصرفات غير المقبولة في الاداء العسكري وبالطريقة التي كرست لدى البعض فكرة تعميم هذه الاخطاء لتسقيط الجيش وخلق فجوة كبيرة بينه وبين سكان تلك المناطق التي تدرك جيدا اليوم بان هناك من يقاتل من قبل نفس هذا الجيش من اجل اخراجها من مستنقع الارهاب الذي احتل كل مفاصل حياتها.

في هذا الصدد يقول جوزيف بايدن الراعي الرئيسي لهذا المشروع ” ان الخطة الامريكية تقوم على اساس الدعوة لتشكيل وحدات محلية ترتبط بالقوة الامنية العراقية. وبذلك فان الحرس الوطني العراقي سوف يحمي السكان في المدن العراقية كما سيسهم في حرمان داعش من ملاذاتها. ان هذه القوة سوف تصبح مفتاحا اساسيا لضمان عدم تعرض وحدة البلاد الى الخطر “.

في تناغم مع هذا التوجه يذكر البعض ان هنالك ايجابيات رئيسية لانشاء الحرس الوطني في هذه المحافظات تحديدا ومن بينها : ان هذه القوات الجديدة تستطيع إنقاذ سمعة الجيش من تهم الطائفية، وإنهاء عمل الميليشيات الشيعية والسنية غير القانونية، وإيجاد قاعدة قوية لقوات برية تكمل عمل القصف الجوي الذي تقوم به الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوربية ضد داعش “. (موقع نقاش ). وهي رؤى تعبر عن ما يدور في اذهان صناع القرار الامريكي التي لا ترى في مثل هذه المشاريع غير مصالحها آلانية الخاصة دون ان تاخذ بنظر الاعتبار الاثار المستقبلية التي ستترب على مثل هذه التوجهات او الدماء التي ستسيل بفعل انعكاسات الفشل المتوقعة لها.

للوهلة الاولى يبدو بان فكرة الحرس الوطني تسعى الى تكريس التغريب المناطقي في العراق فضلا عن اضفاء البعد الحكومي على عمل المليشيات المسلحة عبر وضعها تحت عنوان هذا الحرس الذي لم تعرف مهامه وصلاحياته بعد. فمجرد القول بان نشاطه سيتركز في اطار المدن التي يهيمن عليها تنظيم داعش و ربما لاحقا في اطار المدن العراقية الاخرى، ليس مبررا كافيا لتمرير تشكيله بهذه الطريقة التي تُنبأ بمزيد من الفوضى والاحتراب الطائفي.

سيسهم هذا الحرس وفقا لصياغته الاولية تلك بظهور العديد من القيادات التي سيتم اغراءها بالمناصب والمرتبات العالية من اجل كسب ولائها للدولة او للجهة الرئيسية التي انتجت هذا المشروع. وهو ما يعني بان هنالك خطر كبير من الاعتماد على هذا الولاء الذي اثبتت تجارب الامس القريب بانه ولاء قابل للدخول الى بورصة المنافسة الاقليمية. فهنالك من هو مستعد لدفع اثمان كبيرة لشراء ولاء هذه القيادات والزعامات العشائرية التي تقف من وراءها، ليمهد ذلك لاحقا لاحتلالات داخلية تشهدها المدن العراقية الملتهبة دوما بالعديد من عناصر الصراع القابلة للانفجار في اي لحظة طائشة.

على سبيل المثال سيكون هذا الجيش مصدر صدع دائم في العلاقات بين المركز والمحافظات كما سيسهم في تغذية الصراعات المستترة حول قضايا النفط والغاز، كما سيلهب الصراع على المناطق المتنازع عليها وهي مناطق لا ترتبط فقط بتلك الواقعة في شمال العراق بل تمتد الى نطاقات اخرى مهمة تهدد بزلزال طائفي كبير في العراق. وهو ايضا يمكن ان يكون اداة اقليمية مهمة للتوسع عسكريا في ظل مشاريع القوى المتضاربة التي ستسعى كل من جهتها الى استغلال الطوائف المُجيشة بقوانين حكومية من اجل استهداف الاخر طمعا في تحقيق مزيد من النفوذ والسيطرة في المساحات العراقية الغنية التي لن تقف هذه المرة الحدود الادارية بوجه تمددها القادم.

الغريب في موضوع صناعة هذا الحرس وما سيفرزه من امراء حربيون ان هنالك قوى مهمة اليوم باتت تبحث لها عن موطيء قدم في تشكيلاته المفترضة، وذلك بدلا من ان تتمسك بموقفها الرافض لتمرير فكرته التي بدأت عملية التسويق لها اعلاميا بشكل مكثف خلال الفترة الماضية. فهنالك من يصوره على انه البديل الامثل لحماية المناطق العراقية وبانه الخطوة الاخيرة المناسبة التي يمكن للحكومة القيام بها من اجل ما تدعيه بانه انقاذ لسمعة المؤسسة العسكرية المتهمة دوما بالطائفية!. وهنا تحاول مثل هذه الجهات اهمال المخاوف المجتمعية من تشكيل هذا الحرس والتاكيد بدلا من ذلك على مخاوف مادية ذات علاقة بتحديد مراكز الثقل الاقتصادي للقيادات التي ستفرزها عمليات التهيئة والتنفيذ لهذا المشروع. فالبعض يتخوف هنا من ان يكون هنالك فساد مالي كبير بفعل الاختلاسات التي سترافق تشكيل هذا الحرس!. وكانهم بذلك يريدون الاشارة فقط الى الثروة المادية التي ستتوزع بشكل غير متساوٍ بين امراء الحرب واثر ذلك في امكانية شحنهم طائفيا ضد المركز مهملين كل الانعكاسات التي سيتركها مثل هذا التشكيل على المؤسسة العسكرية ذاتها بفعل تهديد جدوى وجودها وانكسار هيبتها المستمرة.

الرغبة في تمدد نموذج الحرب في كل المدن العراقية دفع بالبعض الى الاعلان عن تشكيلات جديدة في خطوة استباقية بهدف ضمها الى هذا الحرس المفترض. وهي فكرة تم تسويقها مجتمعيا بالقول ان هذه التشكيلات مدعومة من قبل مرجعية النجف!. حيث يتصور الكثير من الشخصيات بان مجرد استخدام هذه المتلازمة ستقود بالنتيجة الى اجبار المجتمع والحكومة معا على تقبل الادوار التي سيلعبها امراء الحرب التابعين لهذه التشكيلات بهدف مرورها الى عمق المؤسسة العسكرية تحت مسمى الحرس الوطني.

حتى هذه اللحظة لم يتحدث قادة الدولة العراقية بشكل صريح عن القيمة التي ستبقى للجيش العراقي في ظل هذا التشتت الجغرافي لبديل مناطقي يبدو بانه يهيء لفكرة التقسيم الاقليمي للعراق على اسس مذهبية بالضرورة ستقود الى تفكك المؤسسة العسكرية الجامعة وستحول المحافظات الى معسكرات تدريب مهيأة للقتال باي لحظة بعد ان يتم السيطرة عليها من قبل ادارات داعش وغيرها من المتطرفين الحالمين دوما بالقضاء على الطائفة الاخرى المهددة دوما بالتغييب عن خريطة العراق والمضطرة لتحشيد عمقها السكاني عسكريا.

لغة العسكرة هذه للمدن العراقية بمسميات جديدة ستفشل في ضم الفصائل المسلحة لمشروع الدولة. كما ستسهم في فتح أبواب جديدة للصراع لن يقوى العراق المتهاوي والمترنح في حكومته الفتية وأدائها السياسي المتواضع على مواجهة مخاطره التي يبدو بانها ستنقلب لاحقا من كونها علاجا لتصبح مأساة يذكرها التاريخ بخيبة امل ومرارة كبيرة في ظل فشل حتمي واستراتيجي لموضوع التخطيط السياسي لانهاء الازمات وتفكيكها في عراق يأن من تعاظم الادوار التي يمارسها تجار الحروب وامراءها المتلذذين برؤية السلاح وما يرتبط به من فوضى وهي تنتشر في كل مكان لتقضي على ما تبقى من مساحات مدنية ضيقة في حياتنا المهددة بالزوال.

Related Posts

LEAVE A COMMENT