من المطاعم إلى المنازل.. حرب إيران تدفع الأمريكيين لإنفاق استهلاكي حذر

في أحد المطاعم وسط العاصمة الأمريكية واشنطن، لا تظهر الأزمة في شكل انهيار مفاجئ، بل في طاولات فارغة أكثر من المعتاد، وصوت أخف من الضجيج الذي كان يملأ المكان. الحركة لم تتوقف، لكنها فقدت زخمها، فيما تمر الطلبات عبر قدر أكبر من التردد والحساب.
يصف مايك، أحد العاملين في المطعم، هذا التحول بأنه “تدريجي لكنه مقلق”، مشيرا إلى أن تراجع الإقبال دفع صاحب المطعم إلى تقليص عدد العاملين، في ظل إيرادات لم تعد تغطي وتيرة التشغيل السابقة. ويضيف للجزيرة نت: “كنا نمتلئ كل ليلة تقريبا.. لم يعد الأمر كذلك”.
ويتابع أن “فئة من الطبقة المتوسطة كانت تُنفق بشكل دوري على المطاعم، لكن زيارة المطعم باتت، مع ارتفاع أسعار المواد الأساسية والبنزين، أقرب إلى الترف”، مضيفا أن “الناس أصبحت تحسب كل شيء وتكتفي بالخيارات الأقل كلفة”.
ويتقاطع هذا التحول في السلوك الاستهلاكي مع تقديرات حديثة للاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي)، تشير إلى أن عددا متزايدا من الشركات بات يتبنى نهج “الانتظار والترقب” في ظل تصاعد حالة عدم اليقين، وهو ما بدأ ينعكس تدريجيا على قرارات الإنفاق اليومية للأمريكيين.

استهلاك حذر
وفي مركز تجاري غير بعيد، تقف ليندا أمام واجهة متجر، تتفحص الأسعار قبل أن تعيد بعض المشتريات إلى مكانها. تقول إن قرارات الشراء لم تعد تلقائية كما كانت، بل أصبحت تمر عبر “حسابات دقيقة”.
وتضيف للجزيرة نت أن “الحرب في إيران بدأت تؤثر على طريقة استهلاك الأمريكيين، حيث تدفع كثيرين إلى الحذر والتركيز على الأولويات والانتباه أكثر إلى قراراتهم الشرائية”، مشيرة إلى أن ارتفاع أسعار البنزين قد ينعكس أيضا على خطط السفر خلال فصل الصيف، في ظل تزايد الضغوط على تكاليف المعيشة.
وتنتقد ليندا الإدارة الحالية، قائلة: “لا أفهم كيف تُصرف ملايين الدولارات على حرب أراها غير ضرورية وسببها شخص واحد، بينما كان الأجدر تسهيل حياة الأمريكيين”، في إشارة إلى سياسات الرئيس دونالد ترامب.
حلم مؤجل
أما ريشيل، وهي أم في الأربعين، فتقول إنها تحاول منذ سنوات شراء منزلها الأول، لكن ارتفاع الأسعار ونسب الفائدة جعل الأمر خارج قدرتها. وتوضح للجزيرة نت: “قمت بكل ما كان عليّ القيام به، ادخرنا وخططنا وبحثنا طويلا، لكن الحلم صار بعيد المنال”.
وتضيف أن ارتفاع أسعار الفائدة مجددا، في ظل تداعيات الحرب وما تسببه من ضغوط على أسعار الطاقة وتكاليف الاقتراض، دفعها إلى تأجيل القرار مرة أخرى، معتبرة أن التوقيت لم يعد في صالحها. “أطفالي يقتربون من الجامعة وأشعر بالإحباط لأنني لا أستطيع امتلاك بيت في هذا الاقتصاد”.
وبحسب بيانات حديثة، فإن القدرة على شراء المنازل تراجعت إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات، مع اتساع الفجوة بين الدخل وأسعار العقارات، فيما أدى ارتفاع أسعار الفائدة إلى زيادة كلفة القروض العقارية بشكل ملحوظ، وهو ما دفع كثيرا من المشترين المحتملين إلى التراجع أو تأجيل قراراتهم.

تناقض بين الأسواق والواقع
ويؤكد المستثمر ومحلل الأسواق الأمريكي ديفيد تويل أن “ثقة المستهلك الأمريكي لم تكن يوما أدنى مما هي عليه الآن”، في ظل ارتفاع أسعار السلع الأساسية والوقود، واصفا الاقتصاد الأمريكي بأنه “منقسم”، حيث تستفيد الفئات الأكثر ثراء، بينما تواجه غالبية الأمريكيين ضغوطا معيشية متزايدة.
ويشرح رئيس شركة “بروتشين كابيتال” للجزيرة نت أن حالة “الترقب” تعكس قلقا حقيقيا داخل السوق، في ظل حرب “غير مسبوقة” مع إيران، تسببت في اضطرابات بسلاسل الإمداد العالمية، خصوصا في قطاعات حيوية مثل الطاقة والأسمدة والغاز.
ورغم تسجيل الأسواق الأمريكية مستويات قياسية، يحذر تويل من أن هذا التفاؤل قد يكون مضللا، مشيرا إلى أن المستثمرين “لا يأخذون في الحسبان احتمال استمرار الحرب أو تداعياتها طويلة الأمد”، وأن الأسواق تراهن ضمنيا على احتواء سريع للصراع، وهو رهان قد لا يصمد إذا تصاعدت التوترات.
ويفسر تويل هذا التباين بين صمود الأسواق وتراجع ثقة الأفراد، بأن الشركات الكبرى لا تجد حافزا للمخاطرة في ظل مكافأة الأسواق لأدائها الحالي، ما يعزز حالة الجمود في القرارات الاقتصادية. ويرى أن الولايات المتحدة قد تستفيد نسبيا من استمرار الأزمة، باعتبارها “ملاذا آمنا” مقارنة باقتصادات أكثر تعرضا لتداعيات الحرب، خصوصا في أوروبا والشرق الأوسط.

مخاطر أكثر تعقيدا
وبينما يرى تويل أن الأسواق تعكس قدرا من الثقة، يحذر ديفيد بييري -أستاذ الاقتصاد والسياسات العامة بجامعة فرجينيا للتكنولوجيا- من أن التأثيرات المتأخرة للصدمات قد تُترجم لاحقا إلى اضطرابات أوسع.
ويقول بييري للجزيرة نت، إن اتساع الفجوة بين أداء الأسواق المالية والاقتصاد الحقيقي “غالبا ما يكون مقدمة لتصحيحات مؤلمة”، موضحا أن الارتفاع المفرط في أسعار الأصول قد يتبعه هبوط حاد يمتد تأثيره إلى الاقتصاد الفعلي.
وفيما يتعلق بالحرب، يشير بييري إلى أن الصدمة النفطية الحالية تُعد من الأكبر تاريخيا، لكن آثارها الكاملة لم تظهر بعد، لافتا إلى أن انتقال تأثيرات الأسعار عبر الاقتصاد “يستغرق أشهرا أو حتى فصولا كاملة”، وهو ما يجعل -برأيه- المخاطر الحالية أكثر تعقيدا.

ويرى بييري أن الاقتصاد الأمريكي، رغم قوته النسبية، لا يمكنه الانفصال عن التداعيات العالمية، مشيرا إلى أن أي اضطراب في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد سينعكس حتما على الداخل. كما يلفت إلى أن صانعي السياسة النقدية “يقودون الاقتصاد بالنظر إلى المرآة الخلفية”، في إشارة إلى اعتمادهم على بيانات متأخرة قد تحدّ من سرعة الاستجابة للتحولات السريعة.



