اخبار العرب والعالم

سكان جنوب لبنان وضاحية بيروت يترددون في العودة بظلّ هدنة هشّة

 

يدخل العائدون إلى منازلهم في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، بحذر. يرمّمون الحدّ الأدنى من تفاصيل يحتاجون إليها لاستئناف حياتهم، لكنهم يبقون على استعداد دائم للمغادرة. في هذه المساحة، تتحوّل الهدنة عامل ضغط نفسي، لا فسحة أمان، حيث يتقدّم الخوف من انهيارها على أي محاولة لإعادة ترتيب الحياة.

 

طفلان على متن حافلة في رحلة العودة إلى بلدتهم بجنوب لبنان (رويترز)

 

في بلدة أنصار الجنوبية، يعبّر أديب عن هذا الواقع بوضوح، قائلاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: إنّ الهدنة «لم تُشعِر الناس بأي راحة حقيقية، بل زادت منسوب القلق»، موضحاً أنّ «المشكلة ليست في مدّتها، بل في غياب أي ضمانة لاستمرارها؛ إذ يعيش الجميع على وقع احتمال انهيارها في أي لحظة».

خوف من الحرب… وعجز عن استئناف الحياة

يُنتج هذا الواقع، حسب أديب، ضغطاً نفسياً. ويقول: «الضغط النفسي يتولّد من جهتين: الأولى الخوف الدائم من عودة الحرب فجأة، والأخرى العجز عن ترتيب الحياة خلال فترة الهدنة»، مشيراً إلى أنّ «أي محاولة لإصلاح المنازل المتضرّرة تبقى محفوفة بالمخاطر؛ لأنّ احتمال تجدّد القصف يعني خسارة كل ما يُعاد ترميمه».

ويستند هذا القلق إلى تجربة شخصية مباشرة؛ إذ تعرّض منزله في حرب عام 2024 لضربة كبيرة أدّت إلى تدمير كل محتوياته، من الأثاث إلى الزجاج والألمنيوم، لافتاً إلى أنّه «عمل على إعادة تأهيله بالكامل بعد ذلك، لكنّه اليوم عاجز عن القيام بأي إصلاح جديد خوفاً من تكرار السيناريو نفسه».

حقائب جاهزة

تنعكس هذه الهشاشة في سلوك السكان اليومي. يقول أديب: «نعيش من دون أي إحساس بالاستقرار. حقائبنا جاهزة دائماً، وكأننا على أهبة نزوح جديد في أي لحظة»، مضيفاً أنّ «هذا الشعور ليس فردياً، بل يعمّ معظم أبناء البلدة، حيث عمد كثيرون إلى سحب أغراضهم أو الاكتفاء بالحدّ الأدنى من العودة؛ تحسّباً لأي طارئ».

ويشير إلى أنّ «الحركة في البلدة تعكس هذا التردّد، فهناك من عاد فعلاً، لكن في المقابل لا يزال عدد كبير من السكان، خصوصاً المستأجرين، خارجها بعدما فضّلوا عدم المجازفة»، مؤكداً أنّ «العودة حتى الآن تبقى جزئية، خاطفة وهشّة».

 

رجل نازح يقيم في خيمة بالعاصمة بيروت (أ.ب)

 

وفيما يتعلّق بواقع المنازل، يقول أديب إنّ «الأهالي لجأوا إلى حلول مؤقتة، كتركيب أغطية بلاستيكية أو شبك بدل الأبواب والنوافذ»، موضحاً أنّ «لا أحد مستعداً للاستثمار في ترميم كامل في ظل هذا الغموض، في حين بقيت بعض الأضرار من دون أي معالجة». ويضيف: «كل ما قمنا به هو تنظيف منازلنا وترتيب الحدّ الأدنى من أمورنا، مع إبقاء خيار الرحيل جاهزاً في أي لحظة، كأننا نعيش هدنة معلّقة بين إقامة مؤقتة ونزوح مؤجّل».

البقاع: إقامة مؤقتة

في بعلبك – الهرمل، يتخذ الضغط النفسي شكلاً أكثر هدوءاً، لكنه لا يقل حدّة. تصف فاطمة عودتها مع عائلتها إلى منزلها بأنها «لا تُشبه العودة بقدر ما تُشبه المرور المؤقت تحت سقف الخوف»، موضحة أنّ «الهدنة لم تعنِ استقراراً، بل مجرّد فسحة قصيرة بين موجتَي قلق».

وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «جئنا إلى البيت ونحن نعرف أنّنا لن نبقى. هذه ليست إقامة، بل زيارة مشروطة بوقت محدّد سلفاً»، مشيرة إلى أنّ العائلة «قرّرت المغادرة صباح الأحد إلى منزل نزوحها في جبل لبنان، قبل ساعات من انتهاء الهدنة منتصف الليل؛ تفادياً لأي مفاجأة قد تعيدنا إلى نقطة الصفر».

وتتابع: «لم نفتح الحقائب بالكامل، ولم نُعد ترتيب المنزل. كل شيء بقي كما هو، كأننا نرفض أن نعطي هذه العودة أي معنى نهائي»، لافتة إلى أنّ «الإحساس العام هو أننا نقيم في مكان مؤقت، حتى لو كان منزلنا».

تضيف فاطمة: «الهدنة، بالنسبة لنا، ليست سوى استراحة مؤقتة لجهازنا العصبي من سماع أصوات القصف»، مضيفة: «توقُّف الصوت لا يعني انتهاء الخوف، بل يترك مساحة أوسع للانتظار».

 

سيارات تقلّ نازحين من جنوب لبنان باتجاه بيروت الأحد (أ.ف.ب)

 

تعيش فاطمة حالة ترقّب دائمة، «كأننا ننتظر شيئاً لا نعرف متى سيحدث». فالهدنة لا تعني أنّ القتال انتهى. كل دقيقة تمرّ «نشعر أنها مؤقتة، وأنّ أي صوت قد يعود في أي لحظة».

وتختم بالقول: «نغادر قبل أن تنتهي الهدنة؛ لأننا لا نثق بما سيأتي بعدها. نختار الرحيل بإرادتنا، بدل أن يُفرض علينا مرة جديدة تحت ضغط الخوف».

الضاحية… هدنة قلقة

في الضاحية الجنوبية لبيروت، تظهر صورة أكثر هشاشة للهدنة حين تُروى بلسان زهراء، ذات الخمسة عشر عاماً. تقول لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «فرحتنا بالعودة، هي معلّقة بين الخوف والترقّب؛ لأن أحداً منا لم يتمكن فعلياً من العودة إلى منزله»، مضيفة: «كنا نعتقد أنّ إعلان الهدنة يعني نهاية الحرب وعودة الحياة كما كانت، لكن ما نعيشه اليوم هو شيء مختلف تماماً».

وتوضح أنّ «الأيام الأولى حملت مشاعر متناقضة، بين أمل وخوف أكبر، قبل أن تتبدد هذه المشاعر تدريجياً مع رؤية حجم الدمار»، مشيرة إلى أنّ «النزول إلى المناطق المتضررة كان صادماً، خصوصاً مع مشاهد البيوت المهدّمة والناس الذين خسروا كل شيء».

وتضيف: «حتى الآن، لا نزال أنا وعائلتي في منزل خالي في بيروت، حيث نزحنا منذ بداية الحرب؛ لأننا لا نملك أي ضمانة بأن العودة ممكنة أو آمنة»، لافتة إلى أنّ «الهدنة بالنسبة لنا لم تعد تعني الأمان، بل أصبحت مرتبطة بالخوف من أن تنتهي في أي لحظة وتعود الحرب بشكل مفاجئ». وتضيف: «أطلب من أهلي أحياناً أن يأخذوني إلى منزلنا في الضاحية لدقائق فقط؛ لأراه، أخاف ألا أتمكن من رؤيته مجدداً، وكأنني أودّع كل شيء فيه».

مقالات ذات صلة