اخبار العرب والعالم

محمد بن سلمان وأميركا.. من الإيجاز إلى الإنجاز

 

أثناء القمة السعودية الأميركية المنعقدة في البيت الأبيض بين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما في سبتمبر (أيلول) 2015 قدم الأمير محمد بن سلمان «إيجازاً» حول رؤى السعودية للعلاقة الاستراتيجية بين البلدين للقرن الحادي والعشرين.

بدا وقتذاك أن الأمير الشاب يحمل تصوراً جديداً للعلاقات السعودية الأميركية التي مرت بمراحل وتطورات على مدى ما يزيد عن ثمانين عاماً، وأنه عازم على إعادة تشكيل مساراتها المستقبلية.

 

الملك سلمان بن عبد العزيز لدى لقائه الرئيس باراك أوباما في البيت الأبيض سبتمبر 2015 (واس)

 

تراوحت الرئاسة الأميركية خلال السنوات العشر التالية، بين الجمهوريين والديمقراطيين، وجاء المنعطف الأهم عند اللقاء الأول للأمير محمد بن سلمان بالرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض في مارس (آذار) 2017، وهو اللقاء الذي قاد ترامب لاختيار الرياض أول وجهة خارجية له خلال ولايته الأولى.

⁠خلال زيارته التاريخية للرياض في مايو (أيار) 2017، ألقى ترامب خطاباً أمام قادة العالم العربي والإسلامي، ركز على هموم الإرهاب والصراعات في الشرق الأوسط، ووقع الملك سلمان بن عبد العزيز مع ترامب إعلان الرؤية الاستراتيجية المشتركة بين البلدين.

في يناير (كانون الثاني) 2020، نُصِبَ جو بايدن رئيساً ووعد بالحد من العلاقة بالشريك الأوثق.

لكن وعده لم يصمد أمام الحقائق وإدراك أهمية الشراكة السعودية الأميركية في ظل تطورات الأزمة الروسية – الأوكرانية، والتغيرات الأخرى على المشهد العالمي؛ وجاء بايدن إلى جدة ليلتقي الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان في يوليو (تموز) 2022.

 

الأمير محمد بن سلمان لدى لقائه جو بايدن في الرياض يوليو 2022 (رويترز)

 

المسؤولون السعوديون يؤكدون دوماً أن العلاقات مع أميركا استراتيجية ومستقرة ولا تتأثر بأي تغيير في البيت الأبيض جراء تعاقب الإدارات.

خلال الأعوام العشرة نفسها مضى السعوديون في بناء قدراتهم، وتطوير إمكاناتهم، وتحقيق مستهدفات رؤيتهم، وتعزيز مكانتهم على مستوى العالم.

لم تكن التحولات في العلاقة السعودية ـ الأميركية بمعزل عن التغيرات العميقة التي شهدها العالم؛ مثل صعود الصين كمنافس استراتيجي لواشنطن، وتحوّل مراكز الثقل الاقتصادي نحو آسيا، وجاءت حرب أوكرانيا لتعزز أهمية أمن الطاقة والدول القادرة على استقرار أسواقها.

كما تراجع الانخراط الأميركي في الشرق الأوسط لصالح أولويات أخرى، مما فتح المجال أمام الرياض لقيادة مبادرات إقليمية مؤثرة، من التهدئة السياسية إلى الشراكات الاقتصادية وصياغة مقاربات جديدة للأمن الإقليمي.

في الوقت ذاته برزت التقنيات والذكاء الاصطناعي محركات أساسية للاقتصاد العالمي، الأمر الذي جعل الشراكات الاستثمارية والتقنية أكثر مركزية في حسابات واشنطن.

هذه التحولات مجتمعة أعادت تشكيل أسس العلاقة بين الرياض وواشنطن من علاقة قائمة على احتياجات ظرفية إلى علاقة تقوم على الندية وتلاقي المصالح وصياغة المستقبل.

بعد توليه الرئاسة الأميركية للمرة الثانية، زار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرياض مرة أخرى خلال مايو (أيار) 2025، وألقى خطاباً مطولاً لم يتطرق فيه للإرهاب والحروب وإنما للمستقبل المشرق والتحول الكبير والرائع في المنطقة بقيادة الملك سلمان وولي عهده. في الرياض حضرت سوريا وطويت صفحة العقوبات بطلب سعودي والتقى الرئيس ترامب بالرئيس أحمد الشرع.

وأثناء خطابه سأل الرئيس ترامب الأمير محمد: «هل تنام الليل؟»، وأردف بأن الأمير «يتقلب طوال الليل يفكر كيف يجعل الأمور أفضل». ووجه رسالة للعالم بأن إنجازات المملكة لم تأتها من الخارج، وإنما من تصميم قادتها وشعبها على تطوير دولتهم والمضي قدماً في رؤاهم الفريدة ورسم مستقبلهم بطريقتهم، ووصف ذلك بـ«المعجزة المعاصرة بالطريقة العربية».

 

جانب من اللقاء الثلاثي السعودي الأميركي السوري في الرياض مايو 2025 (واس)

 

هذا الحديث يعيدنا إلى اللقاء الصحافي الذي أجرته مجلة «لايف» الأميركية مع الملك عبد العزيز في مارس (آذار) 1943، ووصفته بالرجل الذي «يمسك زمام مملكته بعين لا تنام». وما أشبه حديث الأمس عن الجد الموحد بحديث اليوم عن الحفيد المسدد.

⁠مع كل هذه السياقات وفي ظل التحولات التي شهدتها المنطقة تأتي زيارة الأمير محمد بن سلمان لواشنطن ولقاؤه بالرئيس ترامب وما يتوقع أن ينتج عن اللقاء من اتفاقات وصفقات. وعلى الرغم من طغيان العناوين السياسية والأمنية على أخبار الزيارة فإن الملفات الاقتصادية والاستثمارية ستكون حاضرة أيضاً. ولعل أبلغ وصف هو تعليق الرئيس ترامب بأنها ليست لقاءً فقط؛ بل تكريم للسعودية وللأمير الشاب.

كما أن التقارير الإعلامية ومعها تسريبات وتصريحات منسوبة لسياسيين أميركيين ما زالت تراهن على تطبيع سعودي برعاية أميركية؛ وبالرغم من كل الضغوط والمحاولات فإن الموقف السعودي سيظل صامداً مع الحق الفلسطيني. فمصالح المملكة العربية السعودية مع أهم شركائها الولايات المتحدة، التي تعد دعم إسرائيل عقيدة سياسية، لم تكن يوماً مقدمة على العقيدة السياسية السعودية الراسخة في دعم الحق الفلسطيني؛ وتمضي سياستها الخارجية في عدم التطبيع من دون حل شامل للقضية الفلسطينية يتضمن إقامة الدولة المستقلة على حدود عام 1967.

ولئن كانت آلة القتل الإسرائيلية قد فعلت ما فعلته بغزة وشعبها الصامد، وحاولت تصفية القضية الفلسطينية، فإن الجهود السعودية بقيادة الملك سلمان وولي عهده لم تقف عند حد المساهمة الفاعلة في تحقيق وقف لإطلاق النار؛ بل حققت اختراقاً تاريخياً في مسعى حل الدولتين بإعلان «فرض الحل» وبنيل فلسطين الاعتراف من دول عديدة مؤثرة على رأسها دولة وعد بلفور ومن على منبر الأمم المتحدة الذي شهد قرار التقسيم المشؤوم، كما شهد نضالاً دبلوماسياً سعودياً للدفاع عن الحق الفلسطيني عبر عقود طويلة.

وعلى الرغم من جهودها في فرض قيام الدولة الفلسطينية بمعارضة أميركية، وقيامها بتوقيع معاهدة دفاع مشترك مع باكستان بترسانتها النووية، فإن الرئيس ترامب عبّر – في أكثر من مناسبة – عن تقديره للمملكة العربية السعودية وقيادتها وللأمير محمد شخصياً، لأن الصديق القوي ذا المبدأ الواضح يفرض احترامه على صديقه وإن اختلفت الرؤى حول بعض القضايا، والتجربة الأميركية لا تحتفي إلا بالأقوياء: الأقوياء بالمنجزات لا بالإرث والشعارات.

وأياً يكن نوع الاتفاقات وحجم المخرجات بين البلدين أثناء اللقاء الاستثنائي، فإنه من المؤكد أن النتائج سترسخ الشراكة الاستراتيجية في ضوء نظرة ولي العهد السعودي لهذه العلاقة، كما يُرجح مراقبون أن تؤسّس الاجتماعات في واشنطن للأمن والازدهار للمنطقة ورؤية لمستقبل علاقات استراتيجية صنعتها عبقرية الأمير محمد بن سلمان من الإيجاز إلى الإنجاز.

مقالات ذات صلة