كيف يغير وكيل الذكاء الاصطناعي مستقبل السفر؟

يتغير عالم السفر والسياحة سريعا تحت تأثير التحولات التقنية المتلاحقة، إذ يبرز وكيل الذكاء الاصطناعي كعنصر ثوري يغير قواعد اللعبة في كل مناحي الحياة، ومنها بالطبع صناعة السياحة.
وبينما يستطيع روبوت الدردشة التقليدي تقديم توصيات بشأن خطط السفر ووصفات الأكل، فإن وكلاء الذكاء الاصطناعي يذهبون إلى أبعد من ذلك، إذ يمكنهم تنفيذ المهام نيابة عن المستخدمين بحد أدنى من التدخل البشري.
ومن ثم، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقتصر مهمتها على المساعدة التقنية، بل أصبح شريكا إستراتيجيا يسافر مع الإنسان، يفهم عاداته وتفضيلاته بل ويتخذ عديدا من القرارات نيابة عنه.
وفي هذا السياق، خلص تقرير صادر عن مؤسسة ماكينزي للاستشارات إلى أن وكيل الذكاء الاصطناعي سيعيد رسم العلاقة بين المسافر وشركات السفر، ليصبح جزءًا من كل تجربة سفر، ابتداء من التخطيط لها مرورا بالقيام بها، وحتى العودة من الرحلة.

وكيل السفر
وكيل الذكاء الاصطناعي هو منظومة ذكية حديثة قادرة على العمل بشكل مستقل دون انتظار التعليمات المباشرة من البشر، على عكس النماذج التقليدية.
ويتصرف وكيل الذكاء الاصطناعي بمرونة ويحلل البيانات والسياق لاتخاذ قرارات فورية، ويمكنه متابعة تغييرات الرحلات، وتعديل أو إلغاء الحجوزات تلقائيا، وأيضا اقتراح بدائل للرحلة تلائم المسافر.

بل ويمكن لهذا الوكيل حتى التواصل مع الفنادق أو شركات الطيران لحل أي مشكلة في أثناء الرحلة دون تدخل بشري مباشر.
وتقوم تقنية وكيل الذكاء الاصطناعي بإنشاء ملف رقمي لكل مستخدم، يجمع فيه سلوكياته، وذوقه، وميزانيته، وتفاصيل تفضيلاته في السفر.
وبمرور الوقت، يصبح الوكيل الرقمي على اطلاع أكبر على شخصيتك، ويدير رحلاتك بدقة من الفكرة الأولى حتى العودة دون عناء البحث أو المتابعة المتعبة.
تجربة السفر
وفقا لتقرير مؤسسة ماكينزي، فإن المستقبل القريب سيشهد تحوّلا جذريا في أسلوب التخطيط للسفر، فلن يحتاج المسافر لاستخدام عشرات التطبيقات أو المنصات الرقمية للمقارنة بين عروض وخيارات السفر، بل يكفي أن يخبر وكيل الذكاء الاصطناعي برغبته في السفر إلى وجهة معينة في فترة محددة، ليحجز الوكيل الرحلات ويختار الفندق الأمثل، ويقترح الأنشطة والمطاعم التي تناسب الذوق والميزانية، ويتابع كل التفاصيل الدقيقة حتى نهاية الرحلة.

لا يقتصر دور هذه التقنية الصاعدة على تقديم المعلومات فحسب، بل يمتد إلى اتخاذ قرارات مؤثرة بناءً على سجل المستخدم، ويوازن بين عوامل الراحة والتكلفة والوقت.
مكاسب للشركات
وقد باتت الفنادق وشركات الطيران تعتبر وكيل الذكاء الاصطناعي ضرورة وليس رفاهية، وتشير دراسة ماكينزي إلى أن استخدام الوكيل يساهم في خفض التكاليف التشغيلية ورفع كفاءة الخدمات، فهو يعالج بشكل تلقائي المهام المتكررة مثل إعادة الحجز، والردود الآلية على العملاء، وتسعير الرحلات في الزمن الحقيقي.
ففي قطاع الضيافة، يستطيع هذا النظام الذكي توزيع الغرف استنادا إلى تفضيلات الضيوف وتوقع المشكلات قبل حدوثها.
أما شركات الطيران، فتستفيد من الوكيل في ضبط الأسعار وتطوير العروض بناء على الطلب اليومي، كذلك بمقدور وكالات السفر إدارة آلاف الطلبات في وقت واحد دون أخطاء، وتقدم توصيات دقيقة تعزز ولاء العملاء وتقلل تكاليف التسويق.
تحديات التطبيق
لكن رغم الفوائد الهائلة لهذه القفزة التكنولوجية، فإن الشركات تواجه عدة تحديات، من أبرزها تفرق البيانات عبر منصات رقمية وشركات كثيرة. وهذا التشتت يصعب مهمة توحيد المعلومات والاستفادة منها بفعالية.
وهناك أيضًا تحديات تتعلق بثقة المسافرين، إذ لا يزال البعض مترددا في تسليم قراراته لأنظمة ذكية، خاصة عند اتخاذ قرارات شخصية أو مكلفة.

ومن التحديات أيضا أن الثقافة المؤسسية لكثير من الشركات ترى في الذكاء الاصطناعي ككل أداة مساعدة فقط، وليس عنصرا أساسيا في نموذج العمل المتبع في تلك الشركات، إضافة إلى وجود نقص في الكفاءات التقنية القادرة على تطوير ودمج وكيل الذكاء الاصطناعي في البنية القديمة لبعض الشركات.
خطوات التبني
توصي شركة ماكينزي الأميركية بـ5 خطوات رئيسية لتبنّي وكيل الذكاء الاصطناعي بنجاح وهي:
- بناء بنية سحابية متطورة ومعالجة البيانات القديمة.
- وضع إستراتيجية رقمية موحدة تربط الأقسام التشغيلية والتسويقية.
- تدريب الموظفين على التعامل مع الذكاء الاصطناعي كزميل عمل.
- تجربة النماذج داخليا لوكيل الذكاء الاصطناعي قبل إتاحتها للعملاء.
- إعادة تصميم عمليات الشركة لتتلاءم مع الذكاء الجديد بدل حشر تلك العمليات في أنظمة قديمة.
الوكيل التقليدي
رغم الحماس العالمي لهذا التحول، فإن بعض القلق يسود في المنطقة العربية، خاصة منطقة الخليج، حيث أشار تقرير لمنصة “كونكتينغ ترافل” صدر في سبتمبر/أيلول الماضي، إلى أن 55% من وكلاء السفر التقليديين في دول مجلس التعاون الخليجي يخشون على وظائفهم من الذكاء الاصطناعي، رغم أن أصحاب الخبرة منهم يرون في هذه التقنية فرصة للتطوير وليس تهديدا.

ويرى الخبراء أن التحدي الأساسي يكمن في تعزيز الخبرة البشرية بالذكاء الاصطناعي وليس استبدالها.
وفي حقيقة الأمر، فإن صناعة السفر في المنطقة العربية تعتمد على العلاقات الشخصية والثقة المباشرة بدرجة أكبر مما هو موجود في الأسواق الغربية، ما يجعل تبني آخر صيحات الذكاء الاصطناعي خطوة بحاجة لتدرج وتوعية مستمرة.
مستقبل السفر
ويبقى في النهاية أن نؤكد أن الذكاء الوكيل لن يستبدل العنصر البشري، بل سيمنحه مساحة أوسع للعيش والاستمتاع بالتجربة.
فبدلاً من الانشغال بتفاصيل الحجز والتنقل، يستطيع المسافر التركيز على الاستكشاف والتواصل والاستمتاع.
التغيير الأكبر لن يكون في “لماذا نسافر؟”، بل في “كيف نسافر؟”، فالرحلات ستصبح أكثر سلاسة، والخدمات أكثر تخصيصا لحاجات المسافرين، اختيارات هؤلاء أكثر وعيا.
وكما قلبت تطبيقات الحجز الإلكتروني معايير السفر رأسا على عقب خلال العقد الماضي، يبدو أن العقد القادم سيكون عصر وكيل الذكاء الاصطناعي، الذي سيرافق المسافر ويرسم له الطريق، ليترك له مساحة أكبر للاستمتاع بكل لحظة في رحلته.



