كيف يحدد علماء الآثار مواقع الحفريات؟

 

كل قطعة أثرية هي كنز ثمين للعلماء تساعدهم على كشف أسرار المجتمعات البشرية عبر التاريخ الطويل، لكن تلك الكنوز قد لا تكون متاحة بالسهولة التي نتصورها.

في مقال نشره موقع “ذا كونفرزيشن” (The Conversation) الأسترالي يقول عالما الآثار غابرييل دي روبل وستايسي كامب إن اكتشاف الآثار قد يكون في بعض الأحيان أمرا سهلا، كأن تمر بجانب موقع بارز للعيان، وقد يكون مهمة معقدة تحتاج إلى استخدام أشعة الليزر وصور الأقمار الصناعية وغيرها من التقنيات الجيوفيزيائية الجديدة للكشف عن الهياكل الأثرية المفقودة منذ فترات طويلة.

ويؤكد الكاتبان أن المهارات العالية والأدوات المتطورة تساعد الباحثين في تحديد أماكن وجود آثار الأزمنة الغابرة، وهو الأمر الذي لم يكن متاحا للعلماء قبل بضعة عقود.

وأثناء الحجر الصحي الذي شهده العالم في عام 2020 بسبب جائحة كورونا أتاحت التكنولوجيا الحديثة للكثير من علماء الآثار والمتطوعين رسم خرائط الطرق والمستوطنات القديمة التي لم تكن معروفة من قبل.

عمليات المسح

يذكر الكاتبان أن أبسط وأقدم طريقة لتحديد الآثار هي عمليات المسح، أي البحث عن أدلة على وجود نشاط بشري إما عبر جولات استكشاف غير منظمة، أو المشي عبر شبكات طرق محددة، وما لم يكن الدليل واضحا تماما -مثل بقايا الأواني المكسورة- عادة ما تحتاج عمليات المسح إلى عين مدربة لقراءة الأدلة.

ويضيف الكاتبان أن فهم تلك الأدلة قد يتطلب الإلمام بالجيولوجيا ومعرفة طبيعة النباتات في منطقة البحث، ويستعين علماء الآثار عادة في عمليات البحث بالسكان المحليين الذين يعرفون مناطقهم جيدا.

تقنيات حديثة

ويقول الكاتبان إن علماء الآثار بدؤوا خلال الأعوام الأخيرة يستخدمون طرقا جديدة لاكتشاف المواقع الأثرية التي لم تكتشف في السابق.

هذه التقنيات أصبحت تعرف على نطاق واسع بتكنولوجيا الاستشعار عن بعد، وهي تسمح بمسح الغابات الكثيفة رقميا وتصوير التربة بطريقة تكشف كل ما هو موجود تحتها، ويمكن لعمليات المسح عالية الدقة باستخدام الليزر أو الصور ثلاثية الأبعاد اكتشاف كل ما لا تراه العين البشرية.

وعلى سبيل المثال، تطلق تقنية الليدار أشعة ليزر نبضية لتحديد المسافة بناء على النبضات المنعكسة من الهدف ومدى سرعة الانعكاس، وعند استخدامها من طائرة ترسم لنا هذه التقنية خريطة طبوغرافية مفصلة للمكان، وتكشف كل ما تحتويه الأرض.

ومن الأمثلة الحديثة على استفادة العلماء من هذه التقنية اكتشاف مدينة تيكال الأثرية في غابات غواتيمالا المطيرة، ولم يستطع علماء الآثار في السابق الوصول إلى هذا الموقع رغم عمليات المسح التي قاموا بها في مرات عدة.

كما تساعد صور الأقمار الصناعية -بما في ذلك “غوغل إيرث”- على الوصول إلى مواقع أثرية جديدة، وقد أدت موجة الجفاف الأخيرة في إنجلترا إلى ظهور معالم قديمة رصدتها صور الأقمار الصناعية.

ويضيف الكاتبان أن العلماء يستخدمون أيضا التقنيات الجيوفيزيائية التي تساعدهم على مسح الأرض التي يرجح أن فيها آثارا، إذ يساعد ذلك على الوصول مباشرة إلى المكان المقصود من خلال تمييز كثافة التربة أو خصائصها المغناطيسية.

كشوفات من المنزل

في تقريرها الذي نشرته صحيفة ذي إندبندنت (The Independent) البريطانية، قالت الكاتبة جين دالتون إن الكثير من علماء الآثار الذين يقضون فترة الحجر الصحي في المنزل جراء تفشي فيروس كورونا المستجد اكتشفوا العشرات من المواقع غير المسجلة التي تعود سواء إلى العصر الروماني أو عصر ما قبل التاريخ أو العصور الوسطى.

وذكرت الكاتبة أن الفريق عثر على أجزاء من طريقين رومانيين، وحوالي 30 مرفقا استيطانيا كبيرا محصنا تعود لعصر ما قبل التاريخ أو العصر الروماني، و20 جثة لما قبل التاريخ، كما حددوا بقايا مئات مزارع القرون الوسطى والنظم الميدانية والمقالع.

ويقول المشرفون على المشروع إنهم يتوقعون التوصل إلى مزيد الاكتشافات في الأسابيع المقبلة.

ويحلل الفريق المتمركز في مقاطعة ديفون بإنجلترا الصور المستمدة من تكنولوجيا تحديد المدى عن طريق الضوء أو الليزر (ليدار)، وهي تقنية لقياس المسافات من خلال إضاءة هدف بواسطة ضوء الليزر وقياس الانعكاس باستخدام جهاز استشعار.

يشار إلى أنه يجري استخدام تقنية ليدار أثناء عمليات المسح الجوي لإنتاج خرائط طوبوغرافية مفصلة للغاية.

وأشارت الكاتبة إلى أن هذه التقنية تمكن من استبعاد النباتات والأشجار والمباني الحديثة من الصورة، مما يسمح لعلماء الآثار بالنظر إلى شكل سطح الأرض للعثور على بقايا أعمال الحفر القديمة.

وفي الوقت الراهن، يتم فحص البيانات التي جرى الكشف عنها ومقارنتها بسجلات علم الآثار المعروفة والخرائط التاريخية، مما يساهم في تغير مجموعة الاكتشافات الجديدة باستمرار.

وبحسب رئيس المشروع الدكتور كريس سمارت من جامعة إكستر، “يمكن القول إن الجنوب الغربي لبريطانيا يحتوي على أكثر بيانات ليدار شمولية والمتاحة حاليا في المملكة المتحدة، والمستخدمة لرسم أكبر قدر ممكن من البيئة التاريخية”.

وأضاف سمارت أن “المشروع يركز في الوقت الحالي على وادي تمار لكن تم توسيعه ليشمل مساحة واسعة من الأراضي بين بودمين مور ودارتمور، وبليموث وبارنستابل، والتي تبلغ مساحتها حوالي 4 آلاف كيلومتر مربع”.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية

Related Posts