خطوات تقرّب الأدب اللاتيني من العربي

ربما كان تقدّما بطيئا لكنه مهم، ذلك الذي قامت به مجلة “ألتازو” (Altazor) التشيلية بنشرها قصائد لشعراء عرب مترجمة إلى الإسبانية.

تُعنى المجلة -وهي من أبرز إصدارات مؤسسة “بيسينتي ويدوبرو” (Vicente Huidobro) للأدب- بنشر شعر أميركا اللاتينية المعاصر، وتخصص قسما آخر للترجمات عن لغات أخرى. وأخيرا أولت اهتماما خاصا بنشر ترجمات لشعراء عرب، منهم الشاعر السوري جورج كدر والأردني فخري رطروط.

وفي حديثه للجزيرة نت، قال الشاعر والمحرر في المجلة خافيير ألبارادو إن التوجه الجديد للمجلة الإلكترونية هو تغذيتها يوميا بقصائد من تشيلي وأميركا اللاتينية والعالم، وإن الإصرار على نشر الشعر العربي هو محاولة لمد جسور ثقافية بين اللغتين، وأضاف أنهم قرروا تخصيص مساحة أكبر للشعر العربي، رغم أن ما يصلهم من الشعر المترجم ما زال قليلا.

سحر العربية

وتعليقا على آخر ما نشر في مجلتهم من قصائد كدر، قال ألبارادو إن سحر العالم العربي وصل القراء من خلال تلك القصائد، وهذا ما لمسوه من التعليقات التي تصل إلى موقعهم.

وتابع أن موقعهم يُزار من ١٢٠ دولة، وعادة ما يعود إليهم كتّاب وباحثون وأكاديميون بهدف التواصل مع الشعراء المنشورة أعمالهم في المجلة، بل إن مترجمين من لغات أخرى يتخذون من هذا الموقع مرجعا للترجمة إلى لغاتهم من الإسبانية.

أما رئيس تحرير المجلة -الشاعر التشيلي ماريو ميليندس- فأكد أنه بوجود الشعر العربي في المجلة ستصبح أكثر شمولية، وأن القارئ اللاتيني عموما مهتم بهذه المنطقة التي تمثّل ثقافة مختلفة يجمع الشعر بينها وبين ثقافتهم.

أما الشاعر السوري جورج كدر الذي تُنشر قصائده بالإسبانية لأول مرة في مجلة نَشرت لأفضل الشعراء في تشيلي وأميركا اللاتينية، فيقول معلّقا للجزيرة نت “للشعر في البلاد الناطقة باللغة الإسبانية مكانة عظيمة، لدرجة أن الشعراء هم نجوم المجتمع وبهم يحتفي الناس، لا بمشاهير التلفاز والسينما”.

ويتابع أن “الشعر هو نبض المجتمع وصورته، وهي حالة تذكّر بالشعر العربي في عصور الازدهار، إذ كان للشعراء قيمة عظيمة في مجتمعهم”.

كما أن ترجمة شعره إلى اللغة الإسبانية -وهي رابع اللغات انتشارا في العالم- والتقديم له في المجلة، والاحتفاء به ضمن أسماء شعراء كبار في مجتمع حيوي كالمجتمع الإسباني يحب الحياة ويحتفي بها، ويتذوق الشعر في كل تفاصيل حياته اليومية “لهو شرف كبير وتحدّ في الوقت ذاته”.

أسماء معاصرة

وتأتي أهمية هذه التجربة من كونها تعرّف بأسماء جديدة معاصرة في الشعر العربي، وتنشر الترجمات المباشرة لا الترجمات عن لغة وسيطة، ولا سيما أن معرفة الكتّاب اللاتينيين بالأدب العربي محصورة بأسماء معينة.

وهذا ما أكده عدد من الكتّاب اللاتينيين، ومنهم غييرمو بيليا رئيس رابطة الكتاب الأرجنتينيين، حيث قال “باستثناء الأعمال الكلاسيكية فالمعرفة بالأدب العربي قليلة جدا”، وذكر بيليا المبادرة التي أطلقها السفير المغربي في الأرجنتين العام الماضي، إذ شكّل مجموعة أصدقاء المغرب “لخلق جسور بين كتّاب الثقافتين”، من خلال مشروع نشر أنطولوجيات شعر مترجمة إلى اللغتين.

الكاتب المكسيكي لامبيرتو إيباريس أستاذ اللغة والأدب قال إنه “علّم طلابه الرامايانا وألف ليلة وليلة”، في حين أكدت الكاتبة البيروفية مارالوسي غارسيا -وهي أستاذة في جامعة “بريغام” في الولايات المتحدة- أنها ترغب في معرفة مزيد عن الأدب العربي، إذ إنها لا تعرف سوى ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة!

إن إجابتي إيباريس وغارسيا تعكسان الخلط وانعدام التمييز بين الأدب العربي ونظيريه الفارسي والهندي حتى من قبل بعض الأكاديميين.

أما غيريك باليسكس -وهو كاتب حقوقي مهتم بالأدب المترجم- فقد قال إن هناك عددا من الكتّاب لديهم معرفة بالأدب العربي لكن أيا منهم لا يُعد مرجعا.

وأضاف أن المرة الوحيدة التي سمع فيها عن الأدب العربي في تشيلي وفي كل الفعاليات الثقافية التي تمكّن من حضورها، كانت في جامعة “سانتيسيما كونسيبسيون” الكاثوليكية، عن طريق أستاذة آداب قالت إن بابلو نيرودا استفاد من الأدب العربي في مؤلفاته، ومن ناحية شخصية فهو يعرف الأديب المصري نجيب محفوظ لحصوله على نوبل للآداب.

المترجم الإيراني أمير فتنات المقيم في كولومبيا والذي يترجم من الإسبانية إلى الفارسية وبالعكس قال إن الأدب العربي -للأسف- لم يصل إلى القارة اللاتينية بسبب شح الترجمات، بل إنه يعرف القليل عن الأدب العربي رغم أن هناك تقاربا ما بين اللغتين العربية والفارسية، وأكد على شهرة محفوظ وجبران خليل جبران.

وإذا كانت نوبل للآداب قد حققت الشهرة لمحفوظ، فإن ذوي الأصول العربية في أميركا اللاتينية هم الأشهر في القارة التي هاجروا إليها أواخر القرن الـ19، وفي مقدمة هؤلاء اللبناني جبران خليل جبران.

مجلة ألتازور على أهميتها وسعة انتشارها ليست الوحيدة التي تحاول البحث عن أصوات جديدة في الشعر العربي، فهناك محاولات عدة للتواصل مع آداب العالم العربي خاصة عن طريق المهرجانات الشعرية التي بات الحضور العربي فيها واضحا. ومع هذا، تبقى تلك التجارب مقيّدة بسبب شح الترجمات وقلة دعم هذا النوع من الأجناس الأدبية.

Related Posts