لفهم حقبة ترامب.. ناقد أميركي يقرأ 150 كتابا

 

لم تعرف الولايات المتحدة الأميركية تحولات ثقافية جذرية مرتبطة بهوية رئيسها المنتخب، لكن مع وصول دونالد ترامب للبيت الأبيض اتسع الاستقطاب الحاد بين القوى الليبرالية التقدمية من جانب وبين القوى المحافظة المتدينة من جانب آخر، واضطلع ترامب بدور مركزي في تأجيج هذا الصراع والاستفادة منه.

وأصبح الشأن الثقافي الداخلي صراعا ملتهبا بين قوى ليبرالية تتبنى أجندة تقدمية، مقابل قوى محافظة متدينة تتبنى أجندة تقليدية. وبرز الصراع الثقافي ليلقي بظلاله على قضايا مهمة، اقتصادية واجتماعية وسياسية.

وأكد ستيف بانون المدير السابق لحملة ترامب ومستشاره الإستراتيجي السابق بالبيت الأبيض -في ندوة حضرتها الجزيرة نت- أنه طالما بقيت هناك حرب ثقافية تقسم المجتمع الأميركي، فانتصار الرئيس ترامب مؤكد في أي انتخابات يخوضها.

تاريخ فكري

وصدر حديثا للكاتب والناقد الأميركي كارلوس لوزادا كتاب “ما الذي كنا نفكر فيه: تاريخ فكري موجز لعصر ترامب”.

ومن أجل إعداد الكتاب قرأ لوزادا -وهو ناقد كتب يعمل لدى صحيفة “واشنطن بوست” (The Washington Post)- نحو 150 كتابا لتقييم دونالد ترامب ورئاسته، ليؤلف عملا ذا قيمة هائلة يدرس المشكلات المثيرة للجدل في المجتمع الأميركي في الوقت الحاضر.

وفي تقريره الذي نشرته صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية، قال الكاتب جيمس كلوبنبيرغ إن لوزادا يبدو منزعجا من حقيقة أن الكم الهائل من الأعمال التي تمحورت حول ترامب لم تضف بعدا فكريا أكثر ثراء عن التأثير الذي خلفته قراراته وأفعاله، لأن الكثير من هذه الكتب ركزت أساسا على طرح التجاوزات اليومية التي ارتكبها ترامب في فترة رئاسته بدل تقييم تأثيرها.

أعمال أدبية

وخلص لوزادا -الحائز على جائزة بوليتزر عن فئة النقد لعام 2019- بعد مطالعته مجموعة واسعة من الكتب إلى أن “الأعمال الأكثر أهمية عن عهد ترامب نادرا ما تدور عنه”. وباستثناء الأعمال التي تركز على مكائد البيت الأبيض والفضائح والخلافات السياسية، يعتقد لوزادا أن أهم الأعمال الأدبية اليوم تركز على نضال الطبقة العاملة البيضاء والاحتجاجات والهجرة والعرق والأضرار التي لحقت بالرئاسة والنظام الأميركي بشكل عام.

وعلى الرغم من أن لوزادا يقر بأنه لا يستطيع الاطلاع على جميع الأعمال التي تناولت حقبة ترامب، فإنه أحسن انتقاء الكتب التي طالعها.

ويسوق في كتابه الحجج المقنعة بأن الكتب القيّمة الصادرة مؤخرا عن الحياة العامة الأميركية تتجاوز مجرد ذكر أسباب انتخاب ترامب والأسباب التي تفسر تمسك أنصاره به.

ووفقا له، ربما تكون الطبقة العاملة البيضاء التي تحدث عنها عدد من المؤلفين قد ساعدت ترامب على الفوز بالانتخابات، ولكنها أصبحت أيضا أداة أدبية واجتماعية تقدم التفسيرات السياسية للكتاب والمثقفين الذين باتوا فجأة يركزون على هذه الفئة.

أدب أميركي جديد

وذكر الكاتب أن التقدميين ابتكروا بعد فوز ترامب نوعا أدبيا جديدا صنفه لوزادا تحت عنوان “كم شعرت بالسوء في ليلة الانتخابات”. وفي حين حاولت كتب أدب المقاومة التي ظهرت محاربة ترامب في بعض الحالات بتطرف تقدمي يضاهي تصرفاته اليمينية المتشددة، فقد مدح بعض المحافظين ترامب وسياساته بسخاء متجاهلين أسوأ ميولاته.

وفي فصل من كتابه بعنوان “ما وراء الجدار”،  يقدم لوزادا تحليلا مفصلا للهجرة، ويسلط الضوء على كتاب لـ”إريكا لي” بعنوان “أميركا للأميركيين: تاريخ من رهاب الأجانب في الولايات المتحدة”، للتأكيد على أن المشاعر المعادية للمهاجرين مترسخة لدى المجتمع الأميركي.

وتضمن عمل لوزادا اقتباسا من كتاب لـ”سوكيتو ميهتا” أشار فيه إلى الأحباء الذين يضطر كل مهاجر إلى تركهم وراءه، وأوضح أن الناس لا يتركون أوطانهم لمجرد نزوة أو لأنهم لا يحبونها أو ليصبحوا أثرياء. ويعتقد لوزادا أن الهجرة عبارة عن تعويض من الاستعمار عما نهبه من موارد، وما ألحقه من دمار بيئي واقتصادي بأوطان هؤلاء المهاجرين.

جذور التمييز

وأشار الكاتب إلى أن معالجة لوزادا لمسألة الهوية وسياسة النوع الاجتماعي تكتسي قيمة خاصة في هذا العمل، حيث تطرق إلى الكم الهائل من الدراسات التي تتمحور حول مدى تفوق هويات السود والبيض لتقديم رؤى بشأن تاريخهم واللحظة الحالية.

وبالنسبة للنساء، أدت سنوات ترامب إلى تفاقم تاريخ طويل من الكراهية والتحرش الجنسي وإلى إطلاق حركة “أنا أيضا” التي شجعت النساء على التحدث علنا والوقوف ضد الانتهاكات.

وفي هذا السياق، يقول لوزادا “من بين النتائج الدائمة  لحركة (أنا أيضا)، اكتساب النساء قدرة متجددة على قول كل شيء بصوت عال، والعثور على بعضهن البعض”، مؤكدا أن “ذكريات تلك الحقبة (أنا أيضا) تكشف عن مدى تعفن الأسس التي يقوم عليها المجتمع الأميركي، حتى وإن لم تتمكن من الإطاحة بالأنظمة المتهالكة”.

وفي ما يتعلق باستمرارية الديمقراطية في عهد ترامب، يرى لوزادا أنه لا تزال تنقصنا التقييمات الفكرية والحلول، لأن العلماء والمحللين الذين يؤلفون مثل هذه الكتب لا يزالون حتى الآن يشخصون العلل دون اقتراح الحلول. وعلى الرغم من أن التحديات التي تواجه الديمقراطية مستمرة، فإن الكتب التي تربط ترامب بهذا التاريخ الطويل “تبدو ضرورية بصفة خاصة الآن”.

Related Posts