ترسانة أفكار التفوق العرقي.. هل ينبغي اعتبار مارتن هايدغر فيلسوفا مركزيا لليمين المتطرف؟

 

مع صعود تيار اليمين المتطرف في أوروبا والعالم الغربي، ينظر مثقفون أوروبيون إلى فيلسوف الظواهر والأنطولوجيا والوجودية الألماني مارتن هايدغر (1889-1976) باعتباره أحد الوجوه الملهمة لهذا التيار.

ورغم شهرته كواحد من أبرز فلاسفة القرن العشرين، كان هايدغر عضوا في الحزب النازي الألماني في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، بالتزامن مع توليه منصب رئيس جامعة فرايبورغ، واستخدمت فلسفته في إضفاء الشرعية على الشعبوية والعنصرية الثقافية لليمين المتطرف، بحسب مختصين في دراسة الفلسفة الألمانية.

وفي مقاله بموقع “الديمقراطية المفتوحة” (Open Democracy) اقتبس الأكاديمي جوليان غوبفارت المختص بدراسة اليمين الجديد والأيديولوجيات القومية وفلسفاتها، مقولات لرموز أحزاب يمينية أوروبية متشددة تؤكد استلهامهم أفكار الفيلسوف الألماني. ووصف ستيف بانون كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب سابقا، هايدغر بقوله “رجلي”، وذلك في مقابلة مع دير شبيغل (spiegel).

إلهام الفيلسوف الألماني

ووصف غوبفارت -في مقاله- هايدغر بأنه “فليسوف مركزي لليمين المتطرف المعلوم”، وتابع “في السنوات الأخيرة ساهمت أبحاث جديدة في فهم دور الفكر “الهايدغري” في سياسات أقصى اليمين المعاصر، وبشكل خاص في أميركا والقومية البيضاء في روسيا”.

ويقول غوبفارت إن اليمين المتشدد لا يصور نفسه باعتباره المدافع عن البيئة، بل المدافع عن الطبيعة باعتبارها جزءا لا يتجزأ من التقاليد المحلية والتراث الوطني والهوية البيضاء.

وفي ألمانيا، ترتبط شعبية هايدغر في أقصى اليمين بأفكاره “الوطنية” ورؤيته لهوية بيضاء توحد الشعب والنخب على قاعدة محلية من الروح المشتركة “المجيدة” وتقاليد محددة عنصرية، وتنظر للآخرين ثقافيا ودينيا باعتبارهم في مرتبة أدنى، بحسب الكاتب.

وساهم تنظير هايدغر الفلسفي في تحديد الدم والتراب كأساس قومي، وتحدث الفيلسوف الألماني عما أسماه “التأثير الخبيث” للتكنولوجيا والنزعات العالمية على “الوجود”، وتناول خطورة ما سماه قوى التصنيع المعولمة على “الوجود الألماني” مما ساهم في تحديد الهوية الألمانية النازية باعتبارها نقيض العالم كله، في زمن الحرب العالمية الثانية.

التنظير للعنصرية

ويرى غوبفارت أن عنصرية النازية الثقافية التي تنكر الاختلافات الدينية والثقافية، يمكن ملاحظتها اليوم في خطابات اليمين المتطرف العنصرية تجاه الإسلام.

وتلخص فلسفة هايدغر عن “العرق” موقفا كان محوريا للحركة النازية وسياساتها الشعبوية، عبر دمج مفاهيم العرق والدين في مصطلح غامض عن الروح أو الجوهر الثقافي، وهو الموقف الفلسفي الذي أنتج تنظيرا لأفكار التفوق الأبيض الأوروبي وحوّل العنصرية إلى مسألة “جمالية وثقافية”.

ومن خلال ربط مفاهيم الهوية والتراث والقضايا البيئية بنقد العولمة التكنولوجية، قدمت فلسفة هايدغر ذخيرة غنية لليمين المتطرف المعاصر، عبر المطالبة بحماية وتمييز “الأشخاص البيض العاديين” والوطن والثقافة الوطنية البيضاء ضد النخب التكنوقراطية اليسارية الليبرالية المعولمة، وغيرهم من ذوي الأصول العرقية الأخرى.

يقول غوبفارت إن استلهام هايدغر أتاح لحركة اليمين القومي المتشدد تضمين رؤيتها الأيديولوجية ضمن حركة حماية للبيئة، تنظر للمسألة البيئية كاتحاد من الطبيعة والثقافة والتراث الوطني ضد العولمة، وتوفر فلسفة هايدغر الأساس الفلسفي والروحي ضد العقلانية والتكنوقراطية.

وعبر تنظير هايدغر، يهاجم اليمين المتشدد الأوروبي أحزاب الخضر وحركات حماية البيئة اليسارية، ويصفهم بأنهم “تكنوقراط مدفوعون بعقلانية علمية ضيقة تركز على تغير المناخ”، لكن اليمين المتشدد يدافع عن البيئة باعتبار الطبيعة جزءا من الهوية الوطنية البيضاء.

وتتيح أفكار هايدغر كذلك للمثقفين اليمينيين المتشددين تبني نمط شعبوي، عبر فكرة “المثقف المتجذر في الشعب والتقاليد المحلية” التي نظّر لها هايدغر، واعتبارها مناهضة لأفكار “العقلانية العدمية للحداثة”.

ويفترض باحثون أن هايدغر كان يعتقد أن العالم الغربي يسير نحو الحرب الشاملة، ويعيش على حافة العدمية العميقة والرفض لجميع المبادئ الدينية والأخلاقية، وهو ما سيجعل الغرب أرضا قاحلة يسكنها وحشيون يملكون التكنولوجيا والأدوات، ويعيشون في عالم من الجهل والبربرية غير المسبوقين حيث يُسمح بفعل كل شيء.

اليمين المتطرف

ويطلق وصف “اليمين المتطرف” على تيار سياسي يتركز أساسا في أوروبا، ويتبنى نزعة متطرفة معادية للمسلمين واليهود والأجانب، ولديه تمسك متطرف بالقيم الوطنية وبالهوية السياسية والثقافية واللغوية، ويتسم بميل شديد للمحافظة الدينية المسيحية.

ومن أشهر أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا “الجبهة الوطنية” في فرنسا المعادية للأجانب والإسلام، وحزب الوسط الديمقراطي في سويسرا الذي كان وراء استفتاء على منع بناء المآذن في البلاد أجري يوم 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2009، و”حركة بيغيدا” الألمانية التي تأسست عام 2014 وتناهض ما تسميه “أسلمة الغرب”.

وكشفت دراسة صادمة نشرتها مؤسسة “فريديرخ إيبرت” العام الماضي وشارك فيها 1890 ألمانيا، أن نحو نصف الألمان يؤمنون بأفكار تصنف أنها من أدبيات “الفكر اليميني”.

وفتح الهجوم الذي جرى في كرايست تشيرش النيوزلندية العام الماضي ملف اليمين الحركي المتطرف في الغرب، خاصة بعد أن اتخذ طابعا أكثر عنفا ومتجاوزا للحدود، وشهدت السنوات الأخيرة تحوّلا كبيرا في توجه اليمين المتطرف نحو أفكار جامعة كالهوية والثقافة بدلا من التركيز على قضايا العِرق.

Related Posts