مهاجرون رهائن العنصرية

مهاجرون رهائن العنصرية

مفتاح شعيب
أطلق البابا فرنسيس بابا الفاتيكان نداء عاجلاً إلى الزعماء الأوروبيين لتوفير بر آمن يؤوي 49 مهاجراً عالقين على متن سفينتين في البحر المتوسط، بعد أيام من إنقاذهم من غرق محقق قبالة السواحل الليبية، في وقت تعمل منظمات لحقوق الانسان على رفع دعاوى قضائية ضد دول مثل إيطاليا ومالطا لرفضها التضامن مع أشخاص هربوا من العنف والظروف القاسية في مواطنهم، لكنهم أصبحوا رهائن ألاعيب سياسية سيئة ومواقف عنصرية تجري بين عواصم أوروبية.
ليست المرة الأولى التي يلقى فيها مهاجرون مثل هذا المصير، ولا البحر المتوسط هو الساحة الوحيدة لمثل هذه الانتهاكات، فهناك في غرب الكرة الأرضية مأساة لا تقل فظاعة تحدث تفاصيلها على الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة. وما زال المجتمع الدولي ينظر إلى هذه الظواهر بكثير من اللامبالاة، ويتنصل من المسؤولية التي تفرض عليه حماية هؤلاء الناس والتضامن معهم بدل ازدرائهم وتركهم فرائس للجوع والطقس السيىء والضغط النفسي، وهو ازدراء يبلغ حالة التشفي لدى بعض الأحزاب اليمينية وبعض وسائل الإعلام، بينما يتم التعتيم على الأصوات المنادية بضرورة التعامل بإنسانية مع المهاجرين وانتشالهم من دائرة المعارك السياسية ومنطق المحاصصات القائم بين دول الاتحاد الأوروبي على الخصوص. فهذا وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني، الذي يتزعم حزب «رابطة الشمال» المتطرف، ما ينفك يطلق تصريحات عنصرية جاعلاً من المهاجرين غير الشرعيين أعداءه، ولم يتعلم الدرس من حادثة السفينة «ديتشوتي» الصيف الماضي حين منع وصول عدد من المهاجرين من النزول على البر الإيطالي، قبل أن يرضخ مكرهاً، تحت الضغط، ويعلن بنفسه السماح للعالقين بالرسو في أحد موانئ صقلية. وهذه المرة أيضاً عاد سالفيني إلى الواجهة بإعلانه أن إيطاليا لن يدخلها مهاجر وأن هذا النهج المتبع لن يتغير.
التصدي لقوارب المهاجرين بهذا الأسلوب لن يحل القضية، ولن يحقق المعالجة السليمة للظاهرة، بينما دخلت دول الاتحاد الأوروبي في خلافات حادة وصراعات قد تمتد إلى ملفات أخرى، وتتسبب في أزمات سياسية كبيرة كتلك الواقعة في واشنطن، حيث تسبب الخلاف بين الرئيس دونالد ترامب والكونغرس في إغلاق مؤسسات الحكومة الفيدرالية أكثر من 15 يوماً، بينما تقول التقديرات إن التكلفة الاقتصادية لهذا الإغلاق الجزئي قد يتخطى مبلغ الخمسة مليارات دولار، وهو المبلغ الذي قدره ترامب لبناء هذا الجدار مع المكسيك. وإذا استمر الإغلاق «أشهراً» مثلما هدد الرئيس الأمريكي، فستكون الخسائر مضاعفة بالتأكيد. وبسبب غياب الحكمة وارتفاع نبرة الكراهية، فإن هذه الأموال المفقودة يمكن أن تغيث ملايين المهاجرين في أوطانهم، أو تساهم في تمويل معالجة دولية مختلفة لهذه المآسي.
عالم اليوم يحتاج مقاربة أكثر إنسانية وتسامحاً، وهو ما دعا إليه بابا الفاتيكان في عظته، فبقاء المهاجرين في عرض البحر أو طوابير أمام الجدران والحدود، أمر لا يليق بالتحضر الذي يدعيه المجتمع الدولي ويزعم أنه يعيشه ويدافع عنه من أجل خير الجميع.

“الخليج”