اراء و أفكـار

ترامب والسياحة النووية

يونس السيد

تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب من معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى، والاتهامات الأمريكية – الروسية حول خرقها، لا تعفي الطرفين من المسؤولية عن تهديد الأمن والاستقرار العالميين على المستوى الاستراتيجي، والعودة إلى سباق التسلّح النووي، وبالتالي خلق حالة من الفوضى العالمية من شأنها وضع العالم على حافة الهاوية.
اللعب في هذا المضمار أو الإخلال بمعاهدة من هذا النوع، ليس مجرد سياحة نووية تقوم واشنطن من خلال جولة لمستشار الأمن القومي جون بولتون بتقديم إيضاحات حول أسباب التلويح بالانسحاب من المعاهدة، بدلاً من فتح حوار جاد ومسؤول حول الخروق المتبادلة والعمل على تعزيز هذه المعاهدة والتحقّق من تطبيقها. فهذه المعاهدة التي وضعت في ذروة الحرب الباردة عام 1987 وقبل انهيار الاتحاد السوفييتي، وتم خلالها تدمير جزء من الترسانة النووية لكلا الجانبين، ولقي ذلك ترحيباً عالمياً، خصوصاً في أوروبا، وهي المستهدفة أصلاً بمثل هذه الصواريخ، يصار الآن إلى تمزيقها والعودة إلى نقطة الصفر، كما كانت عليه الأمور قبل أكثر من ثلاثين عاماً. ولكن لماذا الآن وفي هذا التوقيت بالذات؟ ترامب الذي اشتهر بأنه مهندس استراتيجية الانسحابات من الاتفاقات، داخلياً وخارجياً، وجد نفسه أمام عالم يسير بخطى متسارعة نحو التعددية القطبية، وأن الولايات المتحدة تفقد دورها القيادي الأحادي في هذا العالم أمام قوى صاعدة بقوة كروسيا والصين، فيما هو يحلم بقيادة عالم أحادي القطب، وبالتالي لم يكن أمام ترامب الذي تمكّن من احتواء الخطر النووي لكوريا الشمالية، سوى محاولة تكرار هذه التجربة المستندة إلى القوة مع روسيا والصين، بعد أن كان قد أطلق، منذ وصوله إلى البيت الأبيض، سباق التسلّح في الفضاء. مشكلة ترامب، هذه المرة، أنه يصطدم بروسيا والصين، من خلال سياسة حافة الهاوية، حيث يغامر باللعب في الجانب المتعلّق بمستقبل البشرية، ويغامر قبل ذلك بالأمن الاستراتيجي الأوروبي، تحديداً الذي سبق أن تخلّى عنه عملياً، وهو الآن يريد العودة لنشر صواريخ متوسطة المدى في أوروبا، مع أن كل الدلائل والتقارير ومراكز الأبحاث تشير إلى أن روسيا بوتين أقوى بكثير مما كان عليه الأمر إبان الاتحاد السوفييتي، وأنها على المستوى النووي الاستراتيجي أقوى حالياً من الولايات المتحدة، وقد ردّت موسكو التي اعتبرت التهديد بالانسحاب من المعاهدة «خطوة خطيرة» بأنها قادرة على «إعادة التوازن» في مجال الصواريخ متوسطة المدى، وأنها سترد على أي تهديد، لكنّها لن تكون البادئة بالهجوم. يبقى على ترامب أن يعيد النظر في حساباته، وألا يتعامل مع الترسانات النووية والأمن العالمي كاتفاقات سياحية، أو كما يتعامل مع اتفاقات البيئة والمناخ، حتى وإن كان العالم تعوّد على مواقفه المتقلّبة مرات ومرات حتى في اليوم الواحد.

“الخليج”

مقالات ذات صلة