قمة لم الشمل

قمة لم الشمل

لعل القمة العربية التي تستضيفها المملكة العربية السعودية اليوم تشكل منعطفاً في مسيرة العمل العربي المشترك، وتختلف عن قمم عربية سابقة أدت إلى انقسامات بينية بين الدول العربية، ووفرت أرضية لصراعات كارثية تبدو تداعياتها واضحة على مجمل الساحة العربية.
نحن في الواقع أمام واقع عربي مأساوي لم يسبق للأمة العربية مواجهته في تاريخها الحديث، إذ إن الخلافات والصراعات بين الدول العربية أنتجت فراغاً استراتيجياً ضرب الأمن القومي العربي في الصميم، وسمح لكل القوى الإقليمية والدولية بأن تتجرأ على استباحة الأرض العربية، فيما النظام العربي بات مشلولاً وعاجزاً عن القيام بأي دور لصد المخاطر التي تضرب أركان العديد من الدول العربية، وتهدد وجودها من خلال التدخل العسكري المباشر، أو من خلال قوى محلية تقوم بمهمة ضرب المجتمعات من الداخل، أو عبر تصنيع مرتزقة ومجموعات إرهابية، تعمل على تدمير الدول ومؤسساتها الأمنية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية.
تنعقد القمة اليوم وأمامها مجموعة تحديات، أخطرها ما تقوم به «إسرائيل» على الساحة الفلسطينية من استباحة للدم الفلسطيني من خلال عمليات القتل المباشر والمتعمد للمسيرات الشعبية السلمية التي خلّفت مئات الشهداء والجرحى، والموقف الأمريكي الداعم للاحتلال «الإسرائيلي» ولسياسة الضم والتهويد، وأخطرها اعتراف واشنطن بالقدس عاصمة للاحتلال، ونقل السفارة الأمريكية إليها، بما يتعارض مع قرارات الشرعية الدولية، ومع المبادرة العربية للسلام التي تؤكد على قيام دولة فلسطينية عاصمتها مدينة القدس. بهذا المعنى فإن الموقف الأمريكي يشكل تحدياً للمجتمع الدولي وللأمتين العربية والإسلامية، وما تم اتخاذه من مواقف عربية حتى الآن لا يرتقي إلى مستوى المواجهة المطلوبة للقرار، ولا يليق بأمة ترى أن واحداً من مقدساتها وهو المسجد الأقصى يتم تهويده.
ثم جاءت الضربة الأمريكية – الفرنسية – البريطانية الصاروخية التي استهدفت النظام السوري، أمس، لتضع القمة أمام تحدٍ جديد يفترض مقاربة عربية جديدة تجاه الأمن القومي العربي، مع الأخذ في الاعتبار أن ما يجري على امتداد الأرض العربية يتحمل النظام العربي مسؤولية أساسية فيه، لأنه تخلى عن دوره وترك الآخرين، في الإقليم وخارجه، ينوبون عنا في تحديد مصيرنا ودورنا كعرب، وهو أمر يجب معالجته إذا كان المطلوب إعادة الاعتبار للنظام العربي.
القمة العربية أمام تحدي تدخل إيران السافر في الشؤون الداخلية للعراق وسوريا ولبنان واليمن، سياسياً ومذهبياً وعسكرياً، ودعمها لقوى تشكل خطراً على النسيج العربي، ومدها بالمال والسلاح والبشر وأبرزها جماعة الحوثي الانقلابية التي توجه صواريخها إلى الأماكن المقدسة.
لعل القمة العربية في السعودية تكون مختلفة عن سابقاتها وتدشن مرحلة جديدة من عمل عربي مشترك يتدارك ما أصاب الأمة من محن وكوارث، ويعيد تصويب البوصلة بالاتجاه الصحيح الذي يجب أن تكون عليه. وإلا فالقادم أسوأ، لأن ترك الساحة العربية سائبة سوف يشجع أياً كان على أن يجرب قوته وسلاحه فينا، وبالتالي نتحول إلى ضحايا الآخرين على أرضنا.

 

نقلا عن “الخليج”