العراق والإساءات الإيرانية

علي اكبر ولايتي

التصريحات التي أدلى بها مؤخراً علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني علي خامنئي، التي قال فيها إننا لن نسمح لليبراليين والمدنيين أو أي شخص غير مفصّل على المقاس الإيراني أن يعود إلى السلطة في العراق، أثارت موجة من الغضب في الأوساط السياسية والحزبية والبرلمانية وحتى الشعبية، لأنها تمسّ هوية العراق وعروبته وانتماءه إلى محيطه الإقليمي.
لم يكن ولايتي في حاجة لنكء جراح العراقيين، بالإشارة إلى أن إيران صارت صاحبة الكلمة العليا في حاضر العراق ومستقبله، ولهذا كانت ردة الفعاليات السياسية والشعبية مملوءة بالغضب على هذه التصريحات المنفلتة، حيث شددت على أن «العراقيين ليسوا موظفين لخدمة مشروع طهران»، فالنائب والقيادي في ائتلاف الجبهة الوطنية عبد الكريم عبطان انتقد التصريحات قائلاً: «نحن لا نشتغل عند ولايتي ولا غير ولايتي، نحن عراقيون، مشروعنا الوطني عراقي، وإذا كان ولايتي له سلطة على واحد أو اثنين من العراقيين، فهذه السلطة لن تدوم (…) ولن نسمح بأن يكون العراق ضيعة لإيران أو غير إيران».
تعتقد إيران أن حضورها الكبير في العراق اليوم يمكن أن يسلخ البلاد من هويتها وعروبتها، لهذا كانت تصريحات ولايتي صادمة للعراقيين، الذين رأوا أن القادة الإيرانيين تمادوا في الإساءة إلى بلادهم، موهمين العالم أن العراق صار تحت جناح ولاية الفقيه في إيران، حيث استغلوا التقارب الذي حدث بين القيادة الإيرانية والسلطة العراقية التي كان وجودها محكوماً بموازين مذهبية يعرفها الجميع، لتغيير نمط الحكم في البلاد.
لم تكن تصريحات ولايتي المسيئة للعراق الأولى، فقد سبق وأن أدلى في وقت سابق الملا أحمد علم الهدى، عضو مجلس خبراء النظام الإيراني، وهو ممثل خامنئي كذلك، بتصريحات مماثلة عندما اعترف بأن نظام الملالي «وضع حدوده في العراق والشام وسواحل البحر الأبيض المتوسط».
إن تصريحات ولايتي تعدّ تدخلاً سافراً بالشأن العراقي ومناقضة لدستوره الذي يرفض تدخل أطراف خارجية في شؤونه الداخلية، خاصة أن الجميع يعرف أن الحالة التي مرّ فيها العراق بعد الاحتلال الأمريكي لم تساعده على رفض الحضور الإيراني، حيث استغل الإيرانيون الثقافة المشتركة لتعزيز تدخلاتهم في شؤون البلد، لأنها أصبحت عاملاً مهماً لجذب المزيد من العراقيين ليدافعوا عن المشروع الإيراني في العراق وخارجه، سوريا نموذجاً.
لم تكتف إيران بالحضور السياسي والمذهبي في العراق، بل امتد ليشمل جوانب عسكرية كذلك، فالمعارك التي تخوضها إيران داخل العراق وسوريا، صبّت في صالحها، حيث وظّفت ورقة الميليشيات المحلية، التي تعدّ في بعض هذه الدول العربية أقوى من الجيوش النظامية نفسها، حيث عملت طهران خلال السنوات التي أعقبت خروج الاحتلال الأمريكي من العراق على تأسيس شبكة من المقاتلين الموالين لها في الداخل، بهدف فرض رقابتها دون أن تحتاج إلى إرسال قواتها إلى البلاد، لكن تجربة ميليشيات الحشد الشعبي تقدّم لنا صورة سافرة من صور التدخل الإيراني، وهو تدخّل يهدف إلى إخراج العراق بالكامل من محيطه العربي.

“الخليج”

Related Posts