اراء و أفكـار

روسيا القوية عسكريا والعاجزة سياسيا

روسيا غير قادرة على استثمار ما تعتبره ‘فوزا’ عسكريا لها من الناحية السياسية، أي أن ادعاءها نجاحا عسكريا شيء وإعلانها نجاحا سياسيا شيء آخر.
بعد الإخفاق الكبير الذي لحق بدور روسيا السياسي والدبلوماسي في سوريا، كما تمثل في وقائع انعقاد مؤتمر سوتشي، إلى درجة طلبها عقده ولو بصورة شكلية، وقبولها توصيف مقرراته كمجرد توصيات، ورضوخها لاعتبار أن بوابة أي حل سياسي في سوريا إنما هي عبر المسار التفاوضي في جنيف فقط، فإن القيادة الروسية لم تجد سبيلا لترميم هيبتها إلا عبر تنفيذ تهديد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باستخدام جبروت آلتها العسكرية، لترويع السوريين، وتدفيعهم أثمان ما جرى في محاولتها إخضاع المعارضة، وهو ما بتنا نشهد مظاهره في الأيام الأخيرة مع مصرع العشرات يوميا من المدنيين، وتدمير منشآت صحية ومدنية في أرياف إدلب وفي غوطة دمشق.

وعلى الرغم من كل ذلك فإن ما يفترض بالقيادة الروسية إدراكه هنا أولا، أن أكثر من عامين من التدخّل العسكري المباشر لم يفلح في تحقيق ما تريده تلك القيادة، كما ظهر في حفل سوتشي.

والمعنى أن روسيا تستطيع أن تقتل وأن تدمر وتشرد، لكنها غير قادرة على استثمار ما تعتبره “فوزا” عسكريا لها من الناحية السياسية، أي أن إعلانها أو ادعاءها نجاحا عسكريا شيء وإعلانها نجاحا سياسيا شيء آخر.

ثانيا تدرك روسيا أنها تجرب أسلحتها ضد شعب أعزل، أو ضد فصائل عسكرية لا تمتلك أسلحة متقدمة، ولا يوجد أي توازن قوى بينها وبين القوة العسكرية الروسية، وأنها تشن هجماتها بواسطة الطيران الحربي أو الصواريخ الموجهة من خارج سوريا، بمعنى أنها لا تواجه جيشا ولا حالة عسكرية تمثل ولو نوعا من التماثل أو التوازن النسبي معها.

ثالثا مشكلة روسيا أنها تدرك أن ما حصل ليس تمريغا في الوحل لمكانتها السياسية والدبلوماسية، كدولة عظمى (كما تحب أن تدعي)، وإنما هو تمريغ أيضا لـ”كرامتها” أو لهيبة جيشها ولسمعة سلاحها، وهو ما حصل في تدمير عدة طائرات في قاعدتها الجوية في حميميم مؤخّرا، وفي إسقاط طائرة سوخوي، فخر الطيران الروسي، قبل أيام وهي في غارة لها في ريف إدلب.

رابعا ربما آن الأوان للقيادة الروسية أن تدرك محدودية دورها أو استثمارها في الصراع السوري وفقا لمسألتين: المسألة الأولى أن الولايات المتحدة استدرجتها إلى سوريا لاستنزافها وإتعابها فيها، ولوضعها في مواجهة القوى الأخرى (إيران وتركيا).

والثانية أنها لم تعد وحيدة في الصراع السوري في الميدان العسكري، مع وجود قوتين إقليميتين هي في نوع من حلف معهما أي إيران وتركيا، رغم كل التباينات في أجندة هذا الثلاثي، إذ باتت الولايات المتحدة، أيضا، موجودة على الأرض بقوة في حوالي 40 بالمئة من مساحة سوريا، في شرق الفرات، أي على الحدود الشمالية الشرقية والشرقية لسوريا، مع تركيا والعراق، حيث النفط والغاز والقمح، ومع قوة محلية “قسد”. هذا إضافة إلى منطقة خفض التصعيد في الجنوب (في القنيطرة ودرعا والسويداء)، المتفق عليها مع روسيا والأردن (وإسرائيل ضمنا)، من فوق مسار أستانة.

لذا بديهي القول إن الولايات المتحدة باتت تتحكم حتى من الناحية العملية بالأوضاع الحاصلة في سوريا، بصورة أكثر من ذي قبل، سيما أنها عززت من موقعها إزاء القوى الأخرى، في الصراع السوري، ولعل قيام الولايات المتحدة بقصف مطار الشعيرات في أبريل من العام الماضي، وعدم سماحها لقوات النظامين السوري والإيراني الاقتراب من الحدود العراقية في العام الماضي، وقصفها حشد لهذه القوات لاقترابها من منطقة نفوذها في شرق الفرات، قبل أيام، هو عينة لما يمكن أن تفعله القوات الأميركية في سوريا لاحقا. هذا طبعا دون أن ننسى الإشارات الخفية والقوية والمؤثرة المتضمنة في تدمير طائرات في مطار حميميم، وظهور صاروخ مضاد للطائرات في أيدي المعارضة أدى إلى إسقاط طائرة حربية روسية.

خامسا وأخيرا، ربما ينبغي أن تدرك القيادة الروسية جيدا مغزى تشكل حلف تقوده الولايات المتحدة، يضم إليها مجموعة من الدول مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا والأردن والسعودية، وهو حلف مرشح للتوسع دوليا وإقليميا، لا سيما أن هذا الحلف باتت لديه رؤية سياسية لحل الصراع السوري، تتأسس على تغيير قواعد اللعبة التفاوضية، مع الاحتفاظ بجوهرها وتفعيل أجندتها، كما تتأسس على الانخراط المباشر السياسي والدبلوماسي والعسكري لإيجاد، أو لفرض حل للصراع السوري، الذي بات عمره سبعة أعوام.

على ذلك فإن الضربات الجوية والصاروخية الروسية الأخيرة، بقدر ما هي مؤلمة للسوريين، فإنها لن تنقذ روسيا من ورطتها في سوريا، ولن تظهرها كقوة عظمى ولن تعزز مكانتها في الاستثمار السياسي للصراع السوري.

وفي الأخير فإن روسيا بوتين لن تحصل على المقايضة التي تتوخاها أو تأملها مع الولايات المتحدة، بسبب إمساكها الفظ بالورقة السورية، على ما تعتقد، لا في الاعتراف بها كقوة عظمى تضاهي الولايات المتحدة وتشاركها التقرير في المسائل الدولية، ولا في شأن تخفيف الضغوط الأميركية الموجهة عليها، في قضايا أوكرانيا ومسألة الدرع الصاروخي والعقوبات التكنولوجية وأسعار النفط.

وعلى الأرجح فإن كل ما تريده الولايات المتحدة، على ما يبدو، من روسيا هو المزيد من الغرق في الوحل، والمزيد من الاستدراج والتورط والاستنزاف في الصراع الدائر في سوريا، فيما هي تتحكم باللعبة من دون أن تخسر شيئا، لا على الصعيد الاقتصادي ولا على الصعيد البشري، وحتى من دون أن تتورط بالصراع المباشر في هذا البلد، هذا مع علمنا أن الولايات المتحدة لا تلقي بالا كثيرا للمأساة السورية، فهي لا تؤثر عليها ولا تمس بها، لذا هي تتركها مستعرة بقدر ما يمكن لتوريط من تعتبرهم خصوما أو منافسين لها، وبقدر ما ينتج عنها من بيئة آمنة لإسرائيل لعقود مقبلة.

ماجد كيالي

“العرب”

مقالات ذات صلة