«حماس» تعود إلى فلسطين

يقول المثل «أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي أبداً». الخطوة التي أقدمت عليها حركة حماس بعد أكثر من عشر سنوات من الانقسام الفلسطيني، بحل اللجنة الإدارية في قطاع غزة، ودعوة حكومة الوفاق للقدوم لممارسة مهامها فوراً، والاستعداد للحوار مع حركة فتح حول آليات تنفيذ اتفاق القاهرة للعام 2011، وملحقاته، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، تمثل بارقة أمل تطل من القاهرة التي عملت خلال الأشهر الأخيرة على تسهيل الحل، وإنهاء الانقسام الفلسطيني الذي شكل على مدى السنوات الماضية أسوأ وأخطر مرحلة مر بها النضال الفلسطيني، وهدد بضياع القضية وتصفيتها، كما جعل حياة الشعب الفلسطيني في القطاع أشبه بالجحيم.
مهما كانت الأسباب التي دفعت حركة حماس للإقدام على هكذا خطوة، وأياً كانت علاقاتها الملتبسة مع ايران والنظام القطري التي حدت من قدرتها على الحركة، وقوّضت جهوداً سابقة بذلت على طريق المصالحة الفلسطينية من أكثر من طرف عربي، فإن الظروف المستجدة إقليمياً ودولياً وبعدما أعادت «حماس» النظر في مواقفها، وقامت بمراجعة لسياساتها، وتحالفاتها، وعلاقاتها، ومنهجها الفكري، أدركت أن القضية الفلسطينية هي في نهاية المطاف أكبر من الانتماءات، والمعتقدات والتحالفات التي لا تصبّ في مصلحة القضية، بل قد تشكل عبئاً على الحركة الوطنية الفلسطينية، وعلى مسيرة النضال الفلسطيني الذي يهدف في نهاية المطاف إلى استرداد الحق الفلسطيني.
القاهرة التي رعت المبادرة، ووضعتها على السكة، كانت تنطلق من مصلحة فلسطينية خالصة بضرورة تكريس الوحدة الفلسطينية، لأنها الرافعة الحقيقية لاستمرار النضال الفلسطيني، وعدم التمكين للعدو «الإسرائيلي» من استغلال الانقسام للمضي في تنفيذ مخططه الخبيث في مصادرة الأرض وتهويدها، والتهرب من استحقاقات التسوية العادلة التي تقوم على تنفيذ قرارات الشرعية الدولية بكل مندرجاتها، وأهمها قيام الدولة الفلسطينية، وعاصمتها القدس الشريف، وضمان حق العودة.
كما أن المبادرة التي هي في الواقع ثمرة جهود متواصلة لمصر، تأتي في أعقاب تسوية علاقات شابتها شكوك طويلة مع حركة حماس جراء علاقات ملتبسة ومشبوهة مع جماعات إرهابية كانت تستخدم القطاع معقلاً وممراً باتجاه سيناء للقيام بعمليات إرهابية ضد القوات المصرية. وبعد أن تم تنفيذ سلسلة من الإجراءات والخطوات الميدانية من جانب حماس في داخل القطاع، وعلى الحدود مع مصر، انطلاقاً من مسلّمة أن أمن مصر هو جزء من أمن القطاع، انتقلت القاهرة بعد الحصول على ما يلزم ويتوجب من حماس إلى الخطوة التالية التي تكللت بالمبادرة.

معظم الفصائل الفلسطينية أبدت ترحيبها، وأعربت عن ارتياحها لهذه الخطوة، على أمل أن تشكل المدخل الحقيقي والإجباري للمصالحة، وفك عزلة القطاع عن الجزء الآخر من فلسطين، وعن امتداده العربي، وعودته قطاعاً يصلح للعيش مجدداً، ولا يبقى سجناً لأكثر من مليون ونصف المليون آدمي.
المهم أن تكون «حماس» قد ادركت وآمنت بالفعل بان الولاء لغير فلسطين لن يحقق إلا الخسران.

نقلا عن “الخليج”

Related Posts