السفينة الروسية..

علي نون

غريب أن تصطدم سفينة حربية روسيّة بسفينة تجارية محمّلة بالمواشي.. فتغرق الأولى وتبقى الثانية من دون أضرار مُغرقة!

وغريب أن تكون السفينة الحربية الروسية المولودة في بولندا في العام 1970، ولا تزال صالحة للاستخدام، على ذلك القدر من الهشاشة بحيث أنها لم تتحمل صدمة بسفينة تجارية فيما يُفترض أن تكون مجهّزة لتتحمّل صدمة صاروخ مثلاً! أو طوربيد آتٍ من حالة مواجهة عسكرية!

في لعبة المقارنات والقياسات والإسقاطات اللغوية والتحليلية، يمكن الإيجاز بالآتي: السفينة الروسية «ليمان»، تشبه ما كان عليه الزمن «السوفياتي» عند تصنيعها، أي خاسر بشكل كامل وتام. ومضمون منخور وفارغ وبائس. أو مثلما قيل قبلاً: جسم مصارع لكن بمعدة خاوية. ومنذ أول امتحان تظهر الكارثة ويحصل الانهيار والغرق!

السفينة «ليمان» اصطدمت بسفينة مواشٍ وغرقت. ونظام «إمبراطورية» العمال والفلاحين دولة «الاشتراكية العظمى» و«الحتمية التاريخية» اصطدمت بحفاة أفغانستان وانكسرت. وقبلها بالظواهر الاستهلاكية في نظام السوق وانهزمت! وتبيّن في ذروة المفارقات، أن تغيير حدود أو نظام دولة زراعية مثل كوريا، أو فيتنام (سابقاً)، احتاج الى حروب ومواجهات كلّفت الملايين من الأرواح وخسائر مادية عجيبة وعلى مدى سنوات، في حين أنّ انهيار ثاني أعظم قوة عسكرية ونووية في العالم تمّ من دون إطلاق رصاصة واحدة! أو صاروخ واحد! أو «قنبلة» إفنائية واحدة!

.. وكأن الزمن يتكرر بأشكال جديدة ومضامين عتيقة. كأنّ موسكو اليوم تشبه موسكو الأمس سوى أنّ غرق السفينة «ليمان» هو عنوان الخواء الراهن، مثلما كان انفجار مفاعل «تشيرنوبيل» النووي في العام 1986 هو عنوان الخواء السابق. وتحت العنوانين تفصيل واحد هو مظاهر فضفاضة ومضمون ضيّق. والعطب ذاته: سوء إدارة وضعف الحوافز، وتخلّف تقني إذا ما قورن بمقاييس التطور الغربي أو الياباني.. أو الأسترالي! وضعف اقتصادي برغم وفرة المصادر والمواد الأولية والثروات. وأداء بدائي قائم على الزبائنية برغم آلياته الحداثية، وأزمة سيولة برغم وفرة المال! ومنظومة فساد مرتبطة بصاحب القرار السياسي في الكرملين مثلما كانت مراكز القوى وامتيازاتها مرتبطة بالحزب وقيادته في الكرملين أيضاً.. كأنّ القيادة الروسية الراهنة تحاول أن تبلف العالم من خلال اعتماد توليفة السوق المفتوحة، لكن بالسيطرة الخلفية على تفاصيله وحركته وأحواله وأمواله! وهو الأمر الذي يثبت فشله مرّة تلوَ مرّة وفي كل أزمة كبيرة أو متوسطة مع الغرب وأسواق العالم وأسعار الطاقة! بحيث يتراجع سعر الروبل وتهرب الرساميل الأجنبية وتعود الرفوف الفارغة الى الواجهة..

خرج الروس من نظام الحزب الواحد لكنّهم لم يخرجوا من نظام الرجل الواحد.. واستبدلوا التركيبة القيادية الحزبية المربوطة بالأمين العام بتركيبة أوليغارشية مربوطة بشخص رئيس الدولة.. وفي الحالتين تغييب لشروط استقرار مالي، اقتصادي، سياسي واجتماعي لا بد منها لضمان عدم الغرق مجدداً في أزمات مصيرية كبيرة! ولضمان مقوّمات تصنيع عسكري يمكن فعلياً أن ينافس التصنيع الغربي، ويضمن عدم غرق سفينة حربية نتيجة اصطدامها بسفينة تجارية!

كأنّ قدر هذه الروسيا، من أيام القياصرة الى أيام البلاشفة الى الراهن البوتيني، هو أن تهدر جلّ طاقاتها العظيمة على المشروع الغلط والعنوان الغلط والسياسة الغلط: أن تؤكد عظمَتها أمام الخارج على حساب الداخل، وأن تسقط التجربة في كل مرة، بفعل خواء هذا الداخل وليس بفعل مواجهة مع ذلك الخارج! وأي مفارقة؟!

نقلا عن “المستقبل اللبنانية”

Related Posts