صليب بُشرى يثير الجدل بين جمهورها.. صور

إبراهيم غرايبة

أنشأ تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية تصوراً للعالم عام 2030 باستهداف مؤشرات الحرمان في العالم والعمل على تخفيضها إن لم يكن التخلص منها، وفي ذلك فإن السلطات السياسية والمنظمات الاجتماعية والشركات ووكالات ومنظمات التنمية يمكن أن تعيد النظر وليس بالضرورة بموارد إضافية في السياسات والإنفاق والاستثمار آخذة في الاعتبار استهداف الحرمان والمعاناة، فالمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية في تجاهلها للمحرومينعلى رغم الإنفاق والنوايا الحسنة غالباً ما أنشأت هوامش واسعة من التمييز والتهميش بحق فئات واسعة من الناس، ويؤشر تقرير الأمم المتحدة إلى حالات واسعة ومتعددة من الحرمان يجب ملاحظتها وإعادة استهدافها على نحو إيجابي.

يعاني أكثر من 11 في المئة من الناس من الجوع، ويعاني ثلثهم من سوء التغذية، وتزوج سنوياً 15 مليون فتاة قبل سن الثامنة عشرة، ويموت 18 ألفاً يوميًا بسبب التلوث، ويصاب مليونان سنوياً بفيروس نقص المناعة البشرية، وهناك 65 مليون لاجئ، كما يوجد 244 مليون مهاجر طوعاً بحثاً عن حياة أفضل أو هرباً من ظروف سيئة، لكنهم يواجهون الاغتراب الاجتماعي والسياسي والتمييز. وتتعرض حول العالم فئات خاصة للحرمان السياسي والتنموي، مثل النساء والفتيات والأقليات الإثنية والشعوب الأصلية والأشخاص ذوي الإعاقة، وكبار السن، والمهاجرين والمنتمين إلى اتجاهات سياسية أو ثقافية معارضة أو مختلفة.

يقع الظلم على النساء في مجالات وتطبيقات كثيرة، مثل فرص العمل والتعليم الأقل، والحرمان من الميراث والولاية والمشاركة العامة وحيازة الممتلكات، وتتعرض الأقليات للإقصاء من التعليم والتشغيل والمناصب، ويتعرض ذوو الإعاقات الذين يشكلون حوالى 15 في المئة من السكان إلى الوصم والتمييز وصعوبات في الحياة والبيئة المحيطة بهم، وحتى عندما تتاح للناس خيارات أفضل من قبل فإن فئة واسعة تظل مهددة بالفقر والحرمان بسبب الكوارث والأوبئة والجفاف.

وسواء كان هذا الإقصاء متعمداً أو غير متعمد فإن سياسات التنمية يجب أن تركز على الحواجز والعوائق السياسية أو الجغرافية او الاجتماعية أو التكنولوجية التي تحول دون وصول ثمار التنمية إلى الفئات المحرومة، وبناء ثقافة التعاطف وقبول الآخر والالتزام الأخلاقي بالعدالة والخيارات الجماعية والفردية، كما يتطلب ذلك الوعي بمظاهر التهميش التي تحدث بحق بعض الفئات الاجتماعية، فعلى سبيل المثال تمنع النساء من مزاولة بعض الأعمال والمهن، وتنص القوانين والإجراءات المتبعة على التمييز بين الرجال والنساء في معظم دول العالم. ومن أمثلة الحواجز التي تحول دون تعميم التنمية تحكّم النخب بالسلطة والموارد والنفوذ، وعدم قدرة المهمشين على إسماع صوتهم، والهويات والثقافات والتشريعات التمييزية، والعنف والتخويف، والتحيز إلى أيديولوجيات ترجح الانحياز إلى فئة أو حرمان فئة من الناس.

يملك واحد في المئة من سكان العالم 46 في المئة من ثروته، ما يركز الفرص بيد أقلية ضئيلة من الناس، ويحرم الغالبية الكبرى، وإذا لم تأخذ التشريعات والسياسات بالاعتبار عدالة التوزيع الاقتصادي للثروة والموارد والمشاركة الاقتصادية والاجتماعية لجميع الناس، فإن النمو الاقتصادي سوف يعمل ضد غالبية الناس او فئة كبيرة منهم، لأنه لن يكون استئثاراً بالفرص والموارد لكنه استيلاء واستنزاف للموارد القليلة لدى الغالبية لتتسرب إلى خزائن الأغنياء والنخب. لذلك سيكون أهم مدخل للتقدم الاقتصادي والاجتماعي بالنسبة للمحرومين هو تمكينهم سياسياً وليس فقط تقديم المعونات المباشرة النقدية أو الإغاثية أو الخدماتية، لأنه بغير التمكين والعدالة فإن التنمية والخدمات الأساسية التي تقدم تكون عرضة للزوال وعدم الاستدامة، كما سيقع المهمشون ضحية الاستقواء والفساد الذي يضعف المنجزات التنموية التي أنفق عليها من الموارد العامة. وقد يكون صادماً للكثير من الناس حقيقة أن المعونات التي تقدمها الوكالات والمنظمات الدولية أو مؤسسات التعاون التابعة للدول الغنية لم تكن في غالب الأحيان إن لم يكن كلها سوى المساهمة في زيادة قوة وفرص الأغنياء والنخب وإفقار وإضعاف غالبية الناس والفقراء والمهمشين.

نقلا عن “الحياة اللندنية”

Related Posts