أي مسار لإدارة ترامب؟

محمد بدر الدين زايد

بمقدار ما تستمر شواهد حالة السيولة والفوضى في كثير من مظاهر النظام الدولي والأوضاع الإقليمية الراهنة، يصعب تجاهل أن الأثر الذي يسببه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أي اتجاه يتحرك، يعني المزيد من السيولة وعدم التيقن الدولي والأميركي في آن واحد.

وقد أصدر ترامب حتى الآن قرارين يمكن وصفهما بالطبيعة الاستراتيجية، أولهما كان القرار الشهير بوقف التأشيرات لمواطني 7 دول عربية وإسلامية، تلى هذا ما هو معروف من أبطال القضاء الأميركي لهذا القرار، ثم محاولته الالتفاف بإصدار قرار تال بحظر 6 دول من اللائحة السابقة ويستثني العراق، ثم رفض قضائي لأي محاولة للاستئناف وتنفيذ هذا القرار. ثم كان الفشل الأكبر عندما عجزت إدارته وكذا أعضاء مجلس النواب المؤيدين من الحزب الجمهوري عن تمرير قانون بإلغاء نظام التأمين الصحي الذي كان أحد أبرز إنجازات سلفه الديموقراطي باراك أوباما، بعد ما رفض عدد من النواب الجمهوريين، الأقل تشدداً ضمن الغالبية شبه المريحة التي يتمتع بها الجمهوريون في مجلس النواب، المشاركة في تدعيم تحرك ترامب، فاضطر النواب المؤيدون له إلى سحب مشروع هذا القانون. أي أن الهزيمة الأولى جاءت من المؤسسة القضائية، أما الثانية، فجاءت من المؤسسة التشريعية التي يتمتع فيها الحزب الجمهوري بالغالبية. وكي نضع الأمور في سياقها المنطقي، من المهم الأخذ في الاعتبار أن هذه ليست المرة الأولى التي يعجز رئيس أميركي جديد عن تمرير سياسات ووعود انتخابية، فلا تكاد تخلو رئاسة أميركية من قصص عدة للفشل، الذي تكون له مصادر متنوعة، أهمها اثنان: الأول المعروف من قوة مؤسسات الدولة الأميركية وقدرتها على ضبط إيقاع مرشحي الرئاسة الأميركية وتجاوزاتهم، وكثيراً ما يضرب المثل في هذا السياق بتعليق قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس بدلاً من تل أبيب، بخاصة أن هذا ليس وعداً فقط للرؤساء الأميركيين بغالبيتهم خلال حملاتهم الانتخابية، بل هو قرار صادر عن الهيئة التشريعية الأميركية بغالبياتها المختلفة، الديموقراطية منها والجمهورية. أما المصدر الثاني، فكثيراً ما يحدث أيضاً عندما يكون سيد البيت الأبيض ينتمي إلى حزب غير حزب الغالبية في المجلسين النيابيين كليهما أو أحدهما، فيتمكن الرئيس من تمرير قرارات وقوانين، ويفشل في بعضها الآخر، وفق التحالفات والتوازنات التي يتمكن من نسجها خلال سنوات رئاسته، ووفق اختلاف القضايا والفترات الزمنية. إذاً، فقد يبدو للوهلة الأولى أن ما حدث من إخفاق في إلغاء نظام التأمين الصحي لأوباما، ليس جديداً ولا غريباً على الساحة الأميركية إلا في ما عدا أن هذا لا يحدث في ظل غالبية معاكسة. أما ما ليس تقليدياً فهو أن تتدخل السلطة القضائية وفي شكل سريع لإيقاف قرارات رئيس الجمهورية الأميركية بوصف هذا ظاهرة أقل شيوعاً في التاريخ السياسي الأميركي.

لا شك في أن هناك مقداراً من الوزن للبعد التقليدي في ما يتعلق بدور مؤسسات الدولة الأميركية في ترشيد بعض أشكال الشطط في سياسات البيت الأبيض أو حتى في قرارات للهيئة التشريعية الأميركية. وقد يثير البعض هنا الحدث المهم الذي لم يحظ باهتمام عربي كاف، وهو إيفاد ترامب مبعوثاً له للقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن)، وعودة الحديث مرة أخرى عن تحرك أميركي ما لمحاولة إيجاد تسوية للقضية الفلسطينية، على رغم أن هذا التحرك الغامض والمنقطع الصلة بجملة التحركات والبيانات السياسية السابقة عليه في شأن المسألة الفلسطينية – الإسرائيلية، قد يكون مجرد إطار لمحاولة الترويج للطرح الذي بدأ يتردد سياسياً وإعلامياً حول تشكيل جبهة دولية وإقليمية تضم إسرائيل ضد إيران.

الواضح إذاً، أن هذه التفسيرات التقليدية المعتادة السابقة الذكر في الشؤون الأميركية ما زالت على مقدار من الصلاحية لتفسير التطورات الأخيرة ولو جزئياً، ويعزز ذلك ما يتحدث به البعض عن أن حدة ترامب وشططه قد أثارتا حالة من التعبئة المضادة، رأينا بوادرها في حالة التظاهر غير المسبوقة في التاريخ الأميركي عند تنصيبه رئيساً وما زالت حالة التعبئة تزداد ولا تتراجع بحكم طبيعة القرارات الصادرة. هنا تستنفر القوى التي تخشى تراجع القيم الأميركية التقليدية حول الديموقراطية والتعددية والحريات، وهذه المسألة في ذاتها تحتاج إلى وقفة، فتأمل التاريخ الأميركي منذ النشأة يكشف أنه في معظمه صراع بين مجموعتين من القيم، قيم الديموقراطية والحريات، ومجموعة أخرى من القيم المستمدة أو المستندة إلى العنف والتنافسية الحادة، بل والبغيضة والعنصرية والتعالي، يعزوها البعض إلى المناخ المرتبط بتدمير السكان الأميركيين الأصليين وإبادتهم، فضلاً عن الاعتماد المتزايد على العبيد في نشأة الدولة لبناء الاقتصاد الأميركي. وتضاف إلى كل ذلك مجموعة تفسيرات دينية توراتية تسببت في المزيد من التعقيد للمجتمع الأميركي وربطته بكثير من أنماط العنف الداخلي والخارجي. ولعلنا نستحضر ذلك الفيلم الأميركي المثير للانتباه حول جذور العنف في هذا المجتمع وكيف ربط معدو الفيلم هذا بجريمة الحرب وغزو العراق. ولقد كان يحلو لكاتب هذه السطور مقارنة السلوكات والطباع في المجتمعين الأميركي والكندي، حيث عاش لسنوات في البلدين. المهم أن هناك من دون شك حالة استنفار وتعبئة لدى كثرٍ من الأميركيين الذين يفضلون قيم الديموقراطية والتعددية ويخشون على ما تبقى من سمات إيجابية للمجتمع الأميركي. وربما كان لحالة التعبئة هذه أثرها في تراجع أو عدم تحمس عدد من النواب الأميركيين لتأييد قرار إلغاء «أوباما كير» من أن يؤدي مناخ الكراهية والصدام في المجتمع الأميركي إلى السقوط في دوائر يصعب الخروج منها.

وإذا كانت هذه الأبعاد لها تأثيرها في الحد من اندفاعات ترامب حتى الآن، فإن السؤال الذي يطرح نفسه ونحن نقترب من حلول المئة يوم الأولى على بدء ولايته، أي مسار ستسير عليه ولاية الرئيس الأميركي الجديد؟ في التقدير أن هناك مبدئياً خيارين، الأول أن تؤدي الإخفاقات والعجز عن إحداث تغييرات درامية إلى تبلور متزايد لعهد أميركي باهت الملامح داخلياً، تتخلله إجراءات داخلية أو خارجية على مقدار من الشطط، وإن كانت غالبيتها بالذات داخلياً من المستوى المتوسط من حيث التأثير والخطورة، مع بقاء احتمالات الرعونة الخارجية مرتفعة. أما الخيار الثاني فهو أن تبدأ مراجعة رشيدة تتجاوز ترامب للتيار الأميركي المحافظ بما يقلل من بعض مظاهر الشطط مع تكريس سياسات متشددة في شكل خاص داخلياً. إلا أن الرجل بما عرف عنه من عناد وشطط، وفي ضوء الشكل الذي اختار به معاونيه لا يجعل هذا الخيار مطروحاً في شكل جاد. ومع ذلك ولأن العالم أكثر تعقيداً من أن تكون إدارة الدولة الأقوى عالمياً في يدها منفردة، فإن حسم المسار الذي ستسير عليه إدارة ترامب سيحتاج إلى بعض الوقت.

نقلا عن “الحياة اللندنية”

Related Posts