فصول الرواية الروسية في سوريا

يصعب الحديث عن مدينة حلب، وتقدم قوات النظام في أحيائها الشرقية، من دون الحديث عمّا يجري على الجبهة الدبلوماسية، والعلاقات المتشابكة بين القوى الدولية والإقليمية التي جعلت من روسيا الدولة الوحيدة القادرة على الإمساك بمعظم الأوراق في الميدانين السياسي والعسكري، وبالتالي تحديد المسار المستقبلي للأزمة السورية.
واضح تماماً أن موسكو، وحلفاءها، عقدوا العزم على طيّ صفحة حلب، ووضع حد لتواجد قوات المعارضة المسلحة، بكل أشكالها وتلاوينها، في المدينة، ومن ثم الانتقال إلى مرحلة أخرى قد تكون باتجاه مدينة الباب، أو مدينة إدلب، حيث معاقل تنظيمي «داعش»، و«جيش فتح الشام» (جبهة النصرة)، بالنسبة إلى الروس الذين باتوا يتحركون على الساحة السورية بحرية بعد انكفاء الآخرين، خصوصاً الأمريكيين، ويحاولون استثمار المزيد من الانتصارات الميدانية عندما يحين أوان القطاف السياسي.
هم لا يعيرون أهمية تذكر لدعوات بعض الدول الغربية في مجلس الأمن لفرض مزيد من العقوبات عليهم، وعلى النظام السوري، جراء تداعيات معارك حلب، لأنهم ينظرون إلى هذا الحراك بأنه حراك العاجز. فالإدارة الأمريكية في آخر أيامها، وهي مثل «البطة العرجاء» كما يقال، تجمع أوراقها وتستعد للرحيل، فيما القادم الجديد إلى البيت الأبيض تراه موسكو أكثر تفهماً لموقفها، ومستعداً لإبرام «صفقة» معها.
في الجانب الآخر، فإن موسكو تمكنت، على ما يبدو، من إبرام «تفاهم» غير مكتوب مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول سوريا، يشمل حدود العمليات العسكرية التركية في سوريا ضد الأكراد، من دون اعتراض أنقرة على الدور الروسي في سوريا، أو عرقلته، وهذا ما بدا من رد فعل موسكو على تصريحات أردوغان الأخيرة التي قال فيها إن التدخل التركي يستهدف إسقاط الرئيس الأسد، ما اعتبرته تجاوزاً للخط الأحمر، وسارعت إلى إرسال وزير خارجيتها لافروف إلى أنقرة للوقوف على خلفيات هذا الموقف، حيث اضطرت تركيا إلى التراجع، بالقول إنه تمت ترجمة تصريح أردوغان خطأ. .ثم عاد أردوغان شخصيا وقال أن التدخل العسكري التركي لا يستهدف أشخاصا.
لا تطابق بالكامل في المواقف السياسية بين موسكو وأنقرة إزاء سوريا، وكل طرف يعرف حدود مواقف الطرف الآخر. لكن أنقرة التي كانت تسببت بأزمة خطرة مع موسكو بعد إسقاطها طائرة «السوخوي» فوق سوريا العام الماضي، وبعد المحاولة الانقلابية الفاشلة ضد أردوغان والدعم الروسي له، ونتيجة للعلاقات الصعبة مع الاتحاد الأوروبي، بدأت الاستدارة باتجاه روسيا للتعويض من خلال الاقتصاد الممثل بالغاز والنفط والأسواق الروسية والسياحة، ومبادلة ذلك بدور روسي واسع في سوريا.
واضح أن معركة حلب دخلت مراحلها الأخيرة كما تريد موسكو بمعزل عن التداعيات الإنسانية والسياسية، وأن ذلك يوفر أوراق قوة جديدة للنظام في مجرى التسويات الكبرى بعد أن يتولى ترامب السلطة بعد نحو شهر ونصف الشهر. ولعل موسكو تراهن أيضاً على القادم الجديد إلى قصر الإليزيه في مايو/‏أيار الأوفر حظاً فرانسوا فيون «صديق بوتين».. عندها تكتمل الرواية الروسية في سوريا.

نقلا عن “الخليج”

Related Posts

LEAVE A COMMENT