حسرة الموهومين..

علي نون
لا تني مدوّنة الاوهام تطحن أصحابها وتراكم أسس البلاء لهم قبل غيرهم..

وأكبر أوهام هذا الزمان هو نكرانه! وافتراضه تماثلاً استعادياً لزمان مضى وغاب في التاريخ، ولرجاله الروّاد والتأسيسيين الأوائل!

وأصعب ما في تلك الأوهام، هو اختزال الدنيا بعصبة الموهومين! وارتكاب الشطط في التأويل والتفسير. ثم إحالته إلى قرارات في السياسة والعسكر والميدان والنزال. ثم الذهاب في ترجمة ذلك إلى مراتب مقفلة. ثم اعتماد القتل والدم مفتاحاً لذلك الإقفال! ثم الأصعب من ذلك كله، ارتكاب معصية الظن بالقدرة الذاتية على تصليح المفتاح المكسور مرة تلو مرة! ثم العمل فوق هذا وذاك على إشاعة هذه البضاعة على العموم ودمغها بالذات الإلهية مباشرة!

.. يوغل «حزب الله» في النكبة السورية، ولا يترك باباً مفتوحاً للعودة! ولا طريقاً سالكاً لاحتمالات تلك العودة! بل يراكم عن وعي نصّي خلاصي وشديد الخصوصية، كل أسباب نزوله في الجبّ ووقوعه في غواية الفتن. ولعبة استعادة عوالم الفسطاطين. وتقسيم «الأمة» إلى محقّين وجائرين. ودنيويين وإلهيين. وتكفيريين ومؤمنين. وأشراف ومبتذلين.. بل يذهب في التناقض إلى اعتماد التخويف أساس خطاب البأس والتمكّن! كأنه استنزف نفسه بنفسه! وما عاد لديه من عدّة التعبئة والتنفير والتوتير سوى النكوص إلى بيان الخوف الاستباقي علّه يكفي للتبرير. ويعوّض بهتان الحجّة التي لا تُجادَل. ويعطي السائلين عن فحوى العبث وكثرة التقتيل وفوران الدماء، أجوبة سهلة عن أسئلتهم الصعبة!

ذهب إلى سوريا ولن يعود منها إلا شيئاً آخر! أخذ إليها مخزونه القيمي وبدّده فيها! ومصيبته الكبرى كانت ولا تزال محاولة تخصيص يقينيات عامة! وادعاء الملكية الحصرية لنصوص شائعة! وتجرؤه على احتكار أوهام الغلبة في عالم يضجّ بالواهمين مثله وأكثر منه! ثم ركونه إلى الجمود في حالة زئبقية! والإمعان في تجاهل (أو تناسي) دروس أعطاها بنفسه لمن ماثله في جنوب لبنان، واحتل أرضا ليست له وحاول دعس ومعس أناس ليسوا منه وليس منهم!

تأبطه خطاب «الانتصار» و»الإنجاز» أوصله إلى المكابرة على جروحه وخساراته وتورطه في سوريا. وتمسكه بنهجه المألوف القائم على تغطية الخطأ بخطأ جعله قارئاً سيئاً لوقائع هذه الدنيا! ولطريقة عمل اللاعبين الكبار في الحرب والسلم! والتزامه باليقين جعله لا يرى أن ذلك في مصالح الدول عبث مراهقين! وأن المقدّسات في السياسة شيء شبيه بثلاثية العنقاء والغول والخلّ الوفي!

.. ولم يخطئ التوصيف من رأى في سوريا (ولا يزال يرى) أنها فيتنام صغرى لإيران وأتباعها! وأفغانستان أخرى لروسيا وطموحاتها!

نقلاً عن “المستقبل اللبنانية”

Related Posts

LEAVE A COMMENT