الإرهاب و«الفقه العبثي»

يشكل اجتماع كبار علماء الفتوى في العالم الإسلامي الذين يمثلون ثمانين دولة في القاهرة، وبحضور فاعل من الأزهر الشريف، أول خطوة مهمة على طريق محاصرة الإرهاب ومواجهة وتجفيف منابعه الفكرية من خلال دحض فتاوى مشبوهة تصدر عن بعض مدعي الفقه الذين يسوغون للجماعات الإرهابية القيام بأعمال شائنة لا تمت للإسلام بصلة، بل تشوه معناه وروحه.
تشكل الفتاوى التي تستند إلى ما سماه شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب «الفقه العبثي» أساس ومنطلق نشر العنف وزرع بذور الإرهاب والتكفير الذي كان سبباً في هذا الخراب الكبير الذي يعم العالمين العربي والإسلامي، لأن هذا الفقه وجد «كتائب موازية من المفتين الذين نجحوا في أن يتغلبوا على كثير من دور الإفتاء في عالمنا العربي بل على كل مجامع الفقه والتشريع التي ظلت فتاواها راكدة وقاصرة على المستفتي، أو حبيسة مجلدات علمية لا يفيد منها ملايين المسلمين»، كما يقول الطيب.
إذاً، هناك تقصير من دور الإفتاء سمح لأشباه رجال الدين أن يعتلوا المنابر ويحتلوا الشاشات ويصدروا فتاوى تشرعن العنف والقتل والتخريب والتفجير وانتهاك الحرمات، ما يستوجب من دور الإفتاء كسر حاجز الخوف والمبادرة إلى المواجهة بقوة وحسم والرد على الأفكار الضالة بمنهجية علمية رصينة، وعدم ترك الساحة لمثل هؤلاء.
هذا مجرد جانب من المواجهة الفكرية، أما الجانب الآخر فله علاقة بتجديد الفكر الديني وغربلته من الشوائب التي حملها بعض التراث الديني الذي سيستند إليه الإرهابيون التكفيريون، وهذا أمر مطلوب من علماء الدين والمفكرين، إضافة إلى تنقية المناهج المدرسية والجامعية من كل ما له علاقة بالتطرف والغلو، لأن المدرسة والجامعة تمثلان البيئة التي يتكون فيها فهم الدين.
إن التيارات الدينية المتطرفة عادة ما تبحث عن فتاوى تشرعن العنف، لهذا مثلاً جاء التصريح الأخير لرئيس «حركة النهضة» التونسية راشد الغنوشي حول «داعش» صادماً ومثيراً للدهشة، والذي قال فيه «إن واقع تنظيم «داعش» هو حالة متوترة وغاضبة» وأنه «لا يمكن تكفير داعش». إن هذا القول فيه تبرير للإرهاب والتوحش، وكأنه يقول إن حالة الغضب في الإسلام تستدعي التطرف والقتل والتفجير والتفخيخ، أي إنها الصورة الأخرى للإسلام عند الغضب والتوتر. فالإسلام لا يمكن أن يكون بوجهين وحالين، وجه الرضا والسماحة والعدل والسلام، ووجه الغضب الذي يتأتى منه العنف والقتل والبطش. هذا وجه جنوني لا إنساني لا علاقة له بالإسلام حتى في حالة قتال الأعداء (فلا عدوان إلا على الظالمين)، (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) . حتى في حال الثأر يقول القرآن الكريم (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) الآيات كثيرة عن العدل والتسامح والمحبة في الإسلام، وأي قول خارج النص القرآني والسنة النبوية يبرر القتل وسفك الدماء هو هدية تقدم على طبق من ذهب للجماعات الإرهابية التكفيرية.
إن اجتماع الأزهر الشريف حول تنظيم وإصدار الفتاوى وفق صحيح الإسلام هو المدخل الحقيقي لمحاصرة الإرهاب وتفكيك ادعاءاته الدينية، وتستكمل مواجهته بالسلاح.

نقلاً عن “الخليج”

Related Posts

LEAVE A COMMENT