اراء و أفكـار

المرأة الحديدية والمرأة النووية

وصفت رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارغريت تاتشر التي تولت زعامة حزب المحافظين في الفترة 1975 1990، ورئاسة الحكومة من 1979 إلى 1990 ب«المرأة الحديدية» بسبب سياساتها الحازمة في المجالات السياسية والاقتصادية، والدور البارز الذي لعبته في السياسة الدولية خصوصاً في مواجهة الاتحاد السوفييتي آنذاك، وكذلك لقيادتها الحرب التي استمرت عشرة أسابيع العام 1982 لاسترداد جزر «الفوكلاند» من الأرجنتين.
وأول من أطلق لقب «المرأة الحديدية» على تاتشر هي صحيفة «النجم الأحمر» الناطقة باسم وزارة الدفاع السوفييتية آنذاك، وسرعان ما انتشر هذا اللقب خلال وقت قصير في مختلف أرجاء العالم، وقد أحبت تاتشر اللقب واعتبرته تقديراً لها ولقوة شخصيتها وسياساتها.
يبدو أن رئيسة الوزراء الحالية تيريزا ماي التي تولت قبل أيام قليلة زعامة حزب المحافظين هي الأخرى، ثم رئاسة الحكومة كثاني سيدة بعد تاتشر تريد التشبه بها، من حيث قوة الشخصية والقرار وامتلاك الشجاعة والتميز، لعلها تحصل على لقب يليق بها أيضاً.
لكنها من أول الطريق اختارت قضية تعتبر في حد ذاتها إشكالية كبيرة وخطيرة، وتمس السلام العالمي، وتتناقض مع أبسط العلاقات الدولية التي يفترض أن تقوم على المبادئ التي أرساها ميثاق الأمم المتحدة في الحرص على تثبيت ركائز الأمن والسلام الدوليين.
خلال مناقشة البرلمان البريطاني يوم الاثنين الفائت مسألة تحديث ترسانة الردع النووي البريطانية (ترايدنت)، ومطالبة بعض النواب بأن تتخلي بريطانيا عن أسلحتها النووية، قالت ماي إنها «مستعدة لإعطاء أمر بتوجيه ضربة نووية قد تقتل مئات آلاف الأبرياء في حال تطلب الأمر». أضافت مخاطبة أعضاء البرلمان «نعم.. وعلي أن أقول لكم إن هدف امتلاك ترسانة الردع النووي يكمن في أن يعلم أعداؤنا أننا مستعدون لذلك». واعتبرت ماي أن «تخلي بريطانيا عن امتلاك الأسلحة النووية سيكون خطوة خاطئة تماماً، لأنها عنصر بالغ الأهمية للأمن القومي».

كان وزير المالية البريطاني الأسبق كين كلارك الذي عمل مع تاتشر قد وصف ماي بأنها «امرأة صعبة المراس إلى حد اللعنة»، فردت عليه «إن السياسة تحتاج إلى بعض النساء صعبات المراس»، وهي في تصريحاتها «النووية» أمام البرلمان تريد أن تثبت أنها صعبة المراس «حد اللعنة» وقوية وقادرة على اتخاذ قرارات قد لا يتخذها الرجال، وأنها أقوى من تاتشر وكل سيدة أخرى تولت منصب القيادة.

القيادة القوية هي القيادة الحكيمة الواعية القادرة على اتخاذ القرارات الصحيحة في أحلك الظروف وأشدها، والتي تستخدم قوتها لصالح بلادها والبشرية.
لم يسبق لزعيم أن هدد علناً باللجوء إلى السلاح النووي كي يثبت قدرته وقوته، أو استعداده لقتل مئات الآلاف من الأبرياء إذا اقتضى الأمر. هذا التهديد هو تعبير عن ضعف أو عن إصابة صاحبه بداء العظمة واستعداده لفعل أي شيء كي يثبت قوته. ورئيسة وزراء بريطانيا تعتد بما تمتلكه بلادها من أسلحة نووية لإثبات ذلك.. فماذا لو كانت بلادها لا تمتلك مثل هذه الأسلحة مثلها مثل عشرات الدول الأخرى الخالية من الأسلحة النووية.. بماذا كانت ستهدد؟
ما أعلنته ماي يؤشر إلى سلوك مستقبلي خطر، لا يبشر بقيادة رشيدة وحصيفة لبريطانيا.

نقلا عن الخليج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *