إنها انتفاضة

ما يجري على أرض فلسطين من مواجهات يومية بين شبان فلسطينيين وقوات الاحتلال هي انتفاضة شعبية بكل المعايير..إنها شكل جديد وغير مسبوق في الانتفاضات التي مارسها الشعب الفلسطيني وغيره من الشعوب التي رزحت تحت الاحتلال. ومحاولة تصغير أو تقزيم حجمها لأسباب بعضها معروف وبعضها الآخر غير معروف، مثل القول إنها مجرد هَبة أو حركة جماهيرية عابرة لا يقلل من قيمتها ودورها وفعاليتها وتأثيرها على الاحتلال في كونها تشكل رافعة للعمل الوطني الفلسطيني الحقيقي، وتمثل رداً جماهيرياً على كل أساليب التعامل مع الاحتلال التي أثبتت حتى الآن أنها قاصرة عن إحداث تغيير نوعي في سلوكه وممارساته وسياساته القائمة على العنف الأعمى والبطش والعنصرية الرافضة لأي حل سلمي يقر بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني ولو في حدودها الدنيا.
الحقيقة أننا لا نعطي الانتفاضة الحالية المتواصلة بلا انقطاع منذ أكثر من أربعة أشهر حقها، ولا نعطيها الاهتمام اللازم كأداة جماهيرية تقوم بدور مهم في المواجهة وتسبب قلقاً واسعاً داخل الكيان، فهي تضرب عصب الأمن فيه، وتجعل من الحياة اليومية للمستوطنين أرقا ورعباً، كما أنها تستنزف قواه الأمنية المختلفة من خلال استهداف قوات الجيش والشرطة بعمليات طعن ودهس يومية، وتفرض على القيادة الأمنية حالة استنفار دائمة لكل أجهزة الأمن، وهو ما يؤدي إلى انهاكها بالحركة اليومية في الشوارع وإقامة الحواجز والمواجهات والمطاردات.
إن الشبان الفلسطينيين الذين كابدوا الاحتلال وأدركوا معنى أن يكون الإنسان محتلاً من قبل عدو سلب الأرض ويرفض الاعتراف بحقه في الحياة كبقية البشر على وجه البسيطة، كما يسعى هذا الاحتلال إلى سلب إرادته وطمس وعيه وتزوير تاريخه كما زور الجغرافيا، هؤلاء الشبان باتوا يدركون أن المعركة هي معركة وجود، وأن أرض فلسطين لا تتسع إلا لأصحابها ولا مكان فيها لشذاذ آفاق جاؤوا من كل الدنيا واستولوا عليها بالقوة، ويسعون لاقتلاع أهلها من خلال مصادرة أرضهم وتدمير بيوتهم والتضييق عليهم والبطش بهم بكل وسيلة قتل ممكنة.
كل يوم هناك عمليات طعن ودهس ضد جنود الاحتلال والمستوطنين على امتداد الأرض المحتلة، وبعض العمليات تأخذ شكل المواجهات المسلحة..وكل يوم هناك شهداء يسقطون وبعضهم يقتل بدم بارد وهو جريح ، أو يترك ينزف حتى الاستشهاد.. وهناك مداهمات لمدن وقرى ومخيمات واعتقالات شبه يومية..أليست هذه انتفاضة؟
صحيفة «ها آرتس» اليهودية ألقت الضوء على المشهد القائم الذي أكدت أنه انتفاضة حقيقية، وقالت «ما لم يتوقعه المستوى السياسي والأمني «الإسرائيلي» هو الشكل الذي سيخرج به شباب القدس الشرقية، خصوصا من أبناء سن العشرين وما دون، ومن حملة الهويات «الإسرائيلية» والذين يتحدثون اللغة العبرية، ليأخذوا بأيديهم زمام المبادرة ويواصلوا الهجوم يوما بعد يوم على «الإسرائيليين» ورجال الشرطة ، رغم علمهم بأنهم سوف يتعرضون لإطلاق النار أو يضربون حتى الموت خلال دقائق معدودة».. وتوضح الصحيفة «إن هذا الجيل الذي يبدي استعداداً للتضحية المطلقة هو أيضا الجيل الذي بالكاد يتذكر الانتفاضة الثانية».
..أجل يرسم الشبان الفلسطينيون بانتفاضتهم الحالية وبتضحياتهم وبدمهم خريطة جديدة للصراع مختصرها..إن القوة لا تهزم الحق مهما طال الزمن أو قصر.

نقلا عن “الخليج”

Related Posts

LEAVE A COMMENT