الأجندة السرية لسياسة أمريكا الخارجية

عاطف – الغمري
مراكز الفكر السياسي التي تدفع الدماء في حركتها اليومية، بلا توقف، النخب من كبار المسؤولين السابقين، والأكاديميين، والخبراء المتخصصين في السياسة الخارجية، تعتبر نافذة يطل منها من يريد النفاذ ببصره إلى الخلفية المستترة للسياسة الخارجية طالما أن لديه دأباً في البحث والمتابعة، والاتصال بمن في يدهم مفاتيح الصناديق المغلقة للسياسة الخارجية الأمريكية، التي يستطيع من خلالها أن يصل إلى مراده، خاصة في دولة تتدفق فيها المعلومات بصورة، ليست على هذا النحو في أي دولة أخرى.
الذي أقصده هنا، هو ما يتكشف من معلومات مضافة لما سبق أن أشرت إليه عن وجود واجهتين للسياسة الخارجية في الولايات المتحدة، إحداهما التي تراها الدول الأخرى، والتي تعبر عنها دبلوماسية وزارة الخارجية، والثانية ما يعرف بالباب الخلفي الذي تتولاه المخابرات المركزية، كشريك فعلي في تنفذ الجانب غير المعلن، من السياسة الخارجية.
تكشف عن هاتين الواجهتين، الوثيقة التي عرفت باسم MSC- 68 وترجمتها التقرير رقم 68 المرفوع من مجلس الأمن القومي، إلى الرئيس الأمريكي في إبريل/نيسان 1950، الذي أقره الرئيس ترومان، باعتباره الإطار التفصيلي، والتنفيذي لأجندة الاستراتيجية العالمية للسياسة الخارجية، وخططها في الخارج.
وهذه الأجندة، كما يقول عنها البروفيسور كريستوفر فيتيوس، أستاذ العلوم السياسية بجامعة تولين، ومؤلف كتاب صناعة السياسة الخارجية، هي أجندة سرية، ومحاطة بالتضليل والخداع، وتتعمد تغطية أهدافها، بمبادئ النبل، والشفافية، على نحو رائع.
عدد من كبار المختصين في الولايات المتحدة، قدموا تفسيرات للوجهين المتناقضين للسياسة الخارجية، التي تظهر في الفارق الشاسع، بين ما يعلق رسمياً من الدولة، وما تمارسه سراً عن طريق أجهزة مخابراتها.
مثلاً، البروفيسورة باميلا جونستون كونوفر مؤلفة كتاب «صور في مرآة التصورات الأمريكية للدول والزعماء»، تقول إن الخبراء في أمريكا يقعون تحت ضغوط من المجتمع لتحديد من هم الأعداء، وأيضاً هويتهم. وحسب ما هو متبع في النظام الأمريكي، وربما في أنظمة أخرى، فإن التشدد في الشك في الآخرين، هو شرط أساسي لأخذ رأي صاحبه بجدية من جانب دوائر نخبة السياسة الخارجية.
وكان الخبير السياسي البارز ليسلي جلب الذي سبق أن شغل منصب مساعد وزير الخارجية، وكان لفترة قريبة، رئيساً لمجلس العلاقات الخارجية، قد فسر تأييده لحرب العراق بأن سببه تأثره بالميول التعيسة (حسب تعبيره) داخل مجتمع السياسة الخارجية، لتأييد إشعال حروب من أجل المحافظة على النفوذ والمصداقية السياسية.
كما أن الفشل في اتخاذ موقف متشدد بما فيه الكفاية تجاه الأعداء، هو طريق فعال لكي يوصم من يفشل في ذلك بأنه من دعاة التراخي سياسياً. ويتم إقصاؤه من ارستقراطية السياسة الخارجية.
من جانبهما، فإن الكاتبان شون كاتلين، وجوناثان كاودن، في دراستهما المنشورة بمطبوعة دورية الدراسات الدولية بعنوان «صورة العدو وإيديولوجية النخبة»، يقولان: إن طبقة النخبة تميل عادة إلى رسم صورة للعدو، تكون هي مقتنعة بها، وتكون أقل رغبة في تغييرها، حتى ولو جاءتها معلومات مغايرة.
ولا يعني ذلك أن حالة الشك المفرط تجاه الأعداء تنتاب كل نخبة السياسة الخارجية. لكنها تسيطر على تفكير أصحاب التوجهات اليمينية، مثلما كان الحال لدى المحافظين الجدد في عهد جورج بوش. فهم كانوا يرسمون أمام عيونهم كماً كبيراً ومتنوعاً من الأعداء، وبالتالي ترى عيونهم تهديدات على أعلى مستوى من الخطورة، أكثر كثيراً مما يراها غيرهم من الساسة والمحللين.
ولوحظ هذا في نظريتهم التي وردت في استراتيجية السياسة الخارجية لبوش المعلنة في ديسمبر/كانون الأول 2002 التي سجلوا فيها ما أسموه العدو المحتمل، بمعنى أنهم قد يتصرفون تجاه دولة ما على أنها عدو، في حين تكون هذه الدولة في ذات اللحظة نفسها، صديقة للولايات المتحدة.
هذه الرؤية من جانب عدد كبير من الشخصيات النافذة، داخل أسوار صناعة السياسة الخارجية، وفيها ما هو معلن، وما هو مستتر وخفي، تفرض بالضرورة على الدول الأخرى التي تتعامل معها، أن تتزود ببصيرة، النفاذ بدورها إلى داخل هذه التركيبة المعقدة للسياسة الخارجية الأمريكية، واستيعاب النتائج المحتملة لازدواجية مساراتها، حتى لا تقع في حبائل وشراك ما يجري وراء الستار، كأنها اكتفت بطمأنة نفسها، أو بما يبلغ لها من رسائل مطمئنة.

 

Related Posts

LEAVE A COMMENT