علامَ سترسو منطقة الشرق الأوسط؟

د.محمد عاكف جمال

شهدت العقود الأخيرة من السنين تراجعاً في الحروب التقليدية وبروز صراعات من نوع آخر ليس بين الدول قدر ما هي داخل الدول نفسها، فصائل مسلحة تدخل في حروب ضد بعضها البعض أو ضد الدولة القائمة في صراعات من نوع خاص، صراع الهويات، تتخذ أشكالاً ومظاهر شتى بدءاً من التفجيرات والأعمال الإرهابية إلى اقتتال نظامي تستخدم فيه جميع أنواع الأسلحة التي في متناول اليد المحظورة منها وغير المحظورة. مسارح هذه الصراعات قد تكون في أي مكان وحصادها أرواح المدنيين والممتلكات العامة بالدرجة الأولى. حالة اللا استقرار التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط منذ سنوات هي من نتاج هذه الحروب غير التقليدية.

المنطقة تزداد اشتعالاً بفعل عوامل عدة داخلية بقيت كامنة لأمد طويل وحين انفجرت وطال أمد اشتعالها أصبحت ساحاتها تسمح بدخول المقاتلين من دول أخرى مجاورة أو بعيدة وتحولت تدريجياً إلى صراعات ذات طابع إقليمي بعد أن تدخلت قوى إقليمية في الاصطفاف سراً أو علناً مع بعض الفصائل ضد أخرى ثم إلى طابع دولي بعد أن أصبحت القوى العظمى في موقف من يحصد بعض تداعياتها المدمرة فلم تعد قادرة على الاستمرار في التفرج والترقب فحسب. هذه التدخلات الإقليمية والدولية لم يكن بعضها ذا طابع إيجابي بناءً لحسم الصراع وفق قواعد القوانين الدولية وبما يضمن مصالح البلدان التي يجري فيها الصراع بل ضمن حسابات تعزز مصالح الدول المتدخلة وتضعف من مناعة الدول الأخرى وتسهم في تغيير معادلات التوازنات الدولية.

حالة اللا استقرار التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط حالة طارئة قد تستمر لبضع سنوات مقبلة وقد تتسبب في المزيد من الخسائر في الأرواح وفي الموارد، وقد تمتد إلى دول أخرى مستقرة نسبياً ولكن مآلها الاستقرار بشكل ما على هيئة ما قد لا تكون هيئتها الحالية. مبررات الاستقرار هي وصول الأطراف المشاركة فيها إلى قناعة بعدم القدرة على حسم الصراع لصالحها وتدخلات القوى العالمية العظمى التي بدأت بالتضرر من تداعياتها. إلا أنه من جانب آخر هناك استحقاقات لإنهاء هذه الصراعات على صعد عدة قد تكون دستورية أو جغرافية، فوضع البلد بعد أن يرسو الصراع على وضع معين لن يكون كما كان قبل اندلاع هذا الصراع.

المختصون بالدراسات المستقبلية لا يرون أفقاً يسمح بالتفاؤل بمستقبل الدول التي تدور فيها الصراعات ويخصون بالذكر الدول العربية التي لا يستبعدون اتجاهها نحو التفكك فسيناريو التقسيم هو الأكثر ترداداً في طروحاتهم. أما على مستوى أطروحات المسؤولين فهي لا تختلف عن ذلك خاصة حين تصدر عن أشخاص يشغلون مواقع قيادية في المؤسسات الأمنية.

يُوصف منتسبو المخابرات عادة برجال الظل لأنهم ليسوا مادة في الساحات الإعلامية إذ قلما يكون لهم حضور فيها. لذلك حين يدلي أحدهم بتصريح في وسائل الإعلام فإن تصريحه ينبغي أن يؤخذ على محمل الجد على خلاف تصريحات السياسيين التي قد لا تحمل معنى محدداً في بعض الأحيان.

في هذا السياق نتطرق إلى بعض مخرجات مؤتمر حول الاستخبارات نظمته جامعة جورج واشنطن في السادس والعشرين من أكتوبر المنصرم شغل مستقبل الشرق الأوسط الحيز الأكبر من اهتماماته.

في هذا المؤتمر أكد مدير الاستخبارات الفرنسية برنار باجوليه «أن الحرب في سوريا والعراق تُنذر بتغيير في خريطة المنطقة، وأن الشرق الأوسط الحالي انتهى إلى غير رجعة». في حين ذكر نظيره جون برينان مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية «أن العراق وسوريا لن يستعيدا أبداً حدودهما الحالية، وعندما أنظر إلى الدمار في سوريا والعراق وليبيا واليمن، يصعب عليّ أن أتخيّل وجود حكومة مركزية في هذه الدول قادرة على ممارسة سيطرة أو سلطة على هذه الحدود».

وفي السياق نفسه أكد بيتر ودورد مدير المعهد السويدي في الإسكندرية في إطار أعمال ندوة «مستقبل التغيير في الوطن العربي» التي عقدت بالتنسيق بين مركز دراسات الوحدة العربية والمعهد السويدي في الفترة الواقعة بين 9 و12 نوفمبر الحالي «أن منطقة الشرق الأوسط تعاني نزاعات هي الأكبر منذ الحروب الصليبية». تداعيات هذه الحروب هي المزيد من تفكك العالم العربي المفكك أصلاً وهي قضية استراتيجية تخدم مصالح دول إقليمية لا تزال تحمل أحلام الماضي الذي كانت فيه إمبراطورية واسعة النفوذ.

مقاربة أوضاع المنطقة والبحث عن حلول ناجعة لمشكلاتها المتفاقمة يتطلب إعادة النظر باتفاقية سايكس بيكو التي رسمت بموجبها الحدود الجغرافية لدولها نهاية الحرب العالمية الأولى. فقد نضجت عوامل ذات طابع إثني أو ديني أو مذهبي أو ثقافي تستدعي ذلك في ظل أجواء عالمية تكرس ثقافة حقوق الإنسان وحقوق تقرير المصير للشعوب.

التغيير قد يشمل تفكيك بعض الدول إلى كيانات مستقلة أو إضعاف الدول المركزية عن طريق إقرار دساتير جديدة تسمح بخلق كيانات فيدرالية ذات قدر من الاستقلال مع البقاء الشكلي للدولة.

هذه الإجراءات سوف تتم بتوافقات دولية فبالإضافة للوجود الأميركي دخلت روسيا بقوة على خط الأزمات وتبعتها فرنسا ومن المتوقع أن تلحق بهم بريطانيا قريباً. هذا الحضور القوي وربما الحاسم للقوى العظمى في المنطقة لمواجهة صراعاتها قد دفع بالدور الذي لعبته قوى إقليمية على مدى السنوات المنصرمة إلى مرتبة ثانوية الأهمية.

Related Posts

LEAVE A COMMENT