11 سبتمبر فرنسي

ما حدث في باريس مساء أمس الأول يشبه من حيث أهدافه وتداعياته والمجموعات التي نفذته وخططت له ما حدث في نيويورك يوم 11 سبتمبر 2001. في نيويورك تم خطف طائرتين بواسطة مجموعة إرهابية اقتحمت بهما برجي التجارة ما أدى إلى انهيارهما وسقوط مئات القتلى والجرحى، وكان الهدف ضرب قلب الولايات المتحدة وما يمثله البرجان من رمزية بالنسبة للدولة الأعظم، وتأكيد القدرة على اختراق أمنها رغم ما تمتلكه من أجهزة أمنية وقدرات استخبارية هائلة.. ومن ثم تأكيد إمكانية أن تقوم مجموعة إرهابية بتهديد أمن دولة عظمى بعد اختراق منظومتها الأمنية.. وتحويلها إلى دولة عاجزة غير قادرة على حماية مواطنيها.

كان 11 سبتمبر تاريخاً فاصلاً في مجرى العلاقات الدولية وفي مسار السلوك السياسي والعسكري الأمريكي، حيث خرجت الولايات المتحدة الجريحة تعلن الحرب على «الإرهاب» بغير هدى ولا تبصر، وأطلقت العنان للصقور في إدارة جورج بوش يوجهون الحرب ضد المسلمين ويخلقون حالة من الكراهية ضدهم، وأثاروا موجة عاتية من «الإسلاموفوبيا» في كل الدول الغربية، وكانت حربهم ضد أفغانستان والعراق وما تسببت به من كوارث بشرية دليلاً على خطأ في السلوك والمنهج ؛ لأن ما تم استهدافه في البلدين هو الشعب الأعزل مثله مثل الذين استهدفوا في برجي نيويورك بواسطة جماعات إرهابية هي في الأساس صنيعة أمريكية تم استخدامها في الحرب الأمريكية ضد الاتحاد السوفييتي السابق في أفغانستان.
في المجزرة الباريسية الأخيرة التي سالت فيها دماء كثيرة لأبرياء كانوا في الشوارع والمقاهي والمسارح، وقامت بها مجموعة من الإرهابيين، جعلوا كل فرنسا ترتعد خوفاً وقلقاً وتعيش حالة غير مسبوقة من الطوارئ والتأهب وإغلاق الحدود.. تأكيد جديد على أن الإرهاب يمكنه تقويض أمن أي دولة.. وتجاوز كل الإجراءات الأمنية.
أحداث باريس تمثل تحولاً نوعياً في استراتيجية الإرهاب ووسائله، رغم أن الهدف هو القتل، أكان بالأحزمة الناسفة كما جرى في بيروت قبل ثلاثة أيام، أو بالرصاص والقنابل كما جرى في باريس، أو بالذبح كما جرى في العراق وسوريا.
لا أحد بعد اليوم يمكنه الادعاء بأنه خارج دائرة الإرهاب، ولا أحد يستطيع الادعاء بأنه بات محصناً لا يمكن اختراق أمنه. لذا على دول العالم أن تعيد النظر في طريقة تعاملها مع الإرهاب، وأن لا تتذاكى في استخدام المعايير المزدوجة تجاه هذا الخطر والادعاء بوجود إرهاب خبيث وإرهاب حميد، وأن هناك إرهاباً متطرفاً وإرهاباً معتدلاً، أو أن بإمكانها استخدام الإرهاب في المكان الذي تريد طالما هو يحقق لها أهدافها.
لقد قامت الحكومة الفرنسية بهذا الدور المزدوج، وكانت النتيجة هذه الكارثة التي لحقت بالشعب الفرنسي.. إذ مارست خلال السنوات الخمس الماضية سياسة حمقاء في غض الطرف عن التحاق أكثر من ثلاثة آلاف إرهابي، كما تؤكد تقارير استخبارية ، بجماعات الإرهاب في سوريا والعراق عبر الأراضي التركية حيث كانت حكومة أنقرة توفر لهم الملاذ والدعم من دون أن تضع في حسبانها أن هؤلاء سيتحولون إلى قنابل موقوتة في أي لحظة بعد عودتهم، وبإمكانهم أن يحولوا فرنسا إلى جحيم.
وتؤكد تقارير متعددة المصادر أن تركيا كانت وراء موجة الهجرة المفاجئة الأخيرة التي اجتاحت أوروبا، حيث ضمت الآلاف من إرهابيي «داعش» و«جبهة النصرة» الذين انتشروا في القارة الأوروبية، بهدف تحويلها إلى ساحة للإرهاب، بدأت بواكيرها من العاصمة الفرنسية.
سؤال بريء : لماذا تم إطلاق موجة الهجرة الأخيرة، هكذا ومن دون سابق إنذار، رغم أن الأزمة السورية عمرها خمس سنوات؟ أليس هناك من أراد تفخيخهم بالإرهابيين وإرسالهم إلى أوروبا؟

 

Related Posts

LEAVE A COMMENT