أربعون عاما على مغربية الصحراء

داود البصري

في الذكرى السنوية الأربعين للمسيرة الخضراء التي أسس فصولها وشيد ملحمتها الملك المغربي الراحل الحسن الثاني في السادس من نوفمبر عام 1975 والتي كانت حدثا استثنائيا فاصلا في التاريخ المغربي المعاصر، نقلت معه الوضع السياسي المغربي من آفاقه المحلية، في مرحلة صعبة اتسمت بتعاظم المؤامرات الداخلية واشتداد أوار الصراع الداخلي، إلى مرحلة مختلفة تتسم بتلاحم الشعب والعرش في مواجهة استحقاقات وطنية كبرى تمس الوجود الكياني المغربي، وتتعلق بملف استكمال تحرير الأراضي المغربية المغتصبة في الجنوب والشمال، وإنهاء بقايا التركة الاستعمارية الثقيلة التي جزأت الوطن لمناطق وأقاليم وجيوب.
في المسيرة الخضراء انصهرت الإرادة الشعبية وذابت في حيز وطني موحد تحت راية العرش الجامعة المانعة، فكان استرداد الصحراء الغربية من مغتصبيها الإسبان عرسا وطنيا وملحمة شعبية يقف لها التاريخ إجلالا وإحتراما ومهابة، لم يكن ذلك الملف من الملفات السهلة، بل كان تحديا حقيقيا للإرادة الوطنية ولكل المكونات السياسية المغربية، كما كان امتحانا عسيرا لقدرة الدولة المغربية على إدارة أوراق الصراع الدولي والإقليمي باحترافية ومهارة في ظل الصراعات التي نشأت وسببت حربا شرسة في الجنوب المغربي التهمت من ثروات البلاد والعباد الشيء الكثير، قبل أن تستقر الحال على صيغة إدارة وطنية كاملة للملف الصحراوي عبر التركيز على عمليات التنمية والبناء وتعويض سنوات التخلف والحرمان.
لقد طرحت مبادرات عديدة لحل المسألة الصحراوية بعيدا عن صيغة الانفصال التي انتهى زمنها الافتراضي مع نهاية الحرب الباردة وتهاوي المعسكر الشيوعي الذي كان ينفخ في نيران الفتنة عبر افتعال حروب وأزمات كان من الممكن تجنبها وتفادي مآسيها ونتائجها والمتمثلة اليوم في معاناة آلاف الصحراويين في مخيمات تندوف بعيدا عن وطنهم وعن المساهمة في بنائه.
لقد كان الخطاب الأخير للملك محمد السادس الذي صيغ بلغة جديدة ومختلفة بالمرة عن خطابات السنوات الماضية، واضحا ومباشرا وصريحا في التمسك بمغربية الصحراء الأبدية، وفي الرفض لكل محاولات الفتنة أو تجاوز التضحيات الكبرى التي قدمها الشعب المغربي لاستكمال وحدته الترابية.
لقد قدم المغرب مبادرة الجهوية الواسعة أو الحكم الذاتي الموسع، وهو آخر مدى ممكن لأي حل في إطار الالتزام بالوحدة الترابية للمملكة، كما بذل الجهود الحثيثة لتنشيط سياسة تنموية فاعلة أخذت الكثير من إمكانات المغرب المحدودة أصلا، وبعد أربعين عاما على استرداد المغرب لصحرائه لم يزل المغاربة في صحرائهم، ولم تزل المشاريع التنموية فاعلة رغم اشتداد الضغوط الدولية والحملات المشبوهة الهادفة لتشويه كل ورشات العمل والإنجاز الوطنية الكبرى التي نقلت الصحراء المغربية لواقع ميداني جديد مختلف بالمرة عما كان سائدا منذ أربعة عقود.
تصميم العاهل المغربي على حسم الملف الصحراوي ضمن سياقاته وحاضنته الوطنية يعكس إصرارا على مواصلة نهج الدفاع عن الحق المغربي مهما كانت الأثمان، والأطراف التي تحاول التأثير على مسيرة الملف الصحراوي عبر التهديد بتصعيد العنف أو خرق السلام أو اللجوء لأفعال تمس السيادة المغربية تعيش في وهم كبير إن تصورت ان بإمكانها حرف المسيرة أو زعزعة الولاء والثقة المتبادلة بين العرش والشعب، وهي ثقة تعمدت بدماء الشهداء والمضحين عبر خمسة عقود من الكفاح الوطني المضني.
الملك المغربي دافع بشراسة عن حق الصحراويين المغيبين في مخيمات تندوف بالعودة لبلدهم والاستفادة من التسهيلات التي توفرها السلطات عبر حقهم في الإسكان اللائق وفي الخروج من صيغة الخضوع لمن يحاولون استغلالهم كمصدر من مصادر التكسب والمتاجرة بمستقبل الشعوب، الصحراء مغربية حتى العظم، والمغرب يعيش ربيعه الإصلاحي الذي جعل منه تجربة نموذجية ومركز إشعاع ثقافيا وحضاريا في غرب العالم الإسلامي، ومسيرة الإصلاحات والتطور مستمرة ولن يوقف عجلتها أي مغامر أو متآمر.
المغرب في الصحراء والصحراء في المغرب والحكم الذاتي الموسع هو الحل الأمثل والنموذجي لبناء وطن منيع وبما يؤسس لانطلاقة تنموية وحضارية لابد من الاستفادة من ديناميكيتها وحيويتها، المغرب في سباق مع الزمن من أجل التغيير الإيجابي، وبعد أربعين عاما على عودة الصحراء لمغربها يتكرس الارتباط الأبدي بين العرش والشعب بكل مكوناته وأصوله وثقافاته.

Related Posts

LEAVE A COMMENT