الحروب وما بعدها

الحديث عن تسويات محتملة لأزمات المنطقة يفتح الباب للسؤال عن مرحلة ما بعد الحروب وتداعياتها المتواصلة. فالحروب لا تنتهي بانتهاء أشكالها العنفية المباشرة، بل تبقى قائمة أمداً طويلاً بضروب مختلفة ومفاعيل كارثية. ولعل الحروب الأهلية، كالتي يشهدها العالم العربي، هي أخطر الصراعات حيث تحصل بين طائفتين أو أكثر من أبناء المجتمع الواحد. ذلك أن أسباب الصراعات ونتائجها غالباً ما تبقى حاضرة بفعل التداخل، وتعذّر الفصل بين المكوّنات المطلوب منها العيش في مجتمع واحد، بعدما كانت حتى الأمس القريب في احتراب وتنازع.
من هنا، لا يمكن التغاضي عن الآثار المدمّرة التي خلّفتها الحروب على امتداد العالم العربي. وإذا جرت العادة على تسليط الضوء على الخسائر المادية من مبانٍ وبنى تحتية، بالإضافة إلى تقدير أعداد الضحايا من المدنيين، فإن التحوّلات التي تتركها الحرب لا تتمظهر من خلال مشاهد الهدم والدمار، أو من خلال تعداد القتلى والجرحى فقط. فهناك وجه آخر لتبعات الحرب يتجلّى في انقلاب الرؤية إلى الحياة، وفي التحوّلات التي تطرأ على التكوين النفسي والثقافي للأفراد والجماعات، وانعكاس ذلك كله على نحو ارتكاس حضاري في المجتمع، ومراوحة الناس في حالة برزخية بين ماضٍ يريدون الخروج منه ومستقبل لا يستطيعون المضي نحوه.
فالحروب، مهما طال أمدها، غالبًا ما تنتهي بتسويات سياسية. لكن تبعات التشوّه الاجتماعي تظهر في مراحل متلاحقة. فليس من المبالغة الكلام عن ثقافات هجينة آخذة في التشكل بفعل شرذمة الملايين بين المخيمات وبلاد الهجرة، حيث سينتج عن ذلك أجيال مضطربة في فهم المواطنة، ومشتتة بين الوطن الذي بات ذاكرة جمعية للقتل والفوضى والخراب، وبين المنفى الذي يبقى محطة انتظار تفتقد إلى عناصر الاندماج والوحدة والمساواة.
ولعل من أبرز المساوئ الناتجة عن الحروب، تلك المتعلقة بتفشي الجهل وانتشار الأمية وتراجع مستوى المعيشة والمعرفة، فتتحوّل جهود الإنسان من الإنتاج إلى الاستهلاك، ومن توخي الأفضل إلى القبول بما تيسر، ومن توفير الفائض إلى تأمين الحاجات اليومية من مأكل ومشرب ومسكن. وتتّسع الدائرة لتشمل المستوى الأخلاقي الذي ينحدر كلما طالت مدة الحرب بما تشـــكله من عنصر محفّز على استسهال العنف وارتكــــاب الموبقات، وبالــتالي ضرب لسلم القيم ومسلمات الثقافة والإنسانية والحضارة.
وغالباً ما تنعكس هذه المظاهر على أبناء الطبقتين المتوسطة والفقيرة، إذ يتحول الفقراء معدمين بفعل الدمار والتهجير، وأبناء الطبقة المتوسطة يستحيلون فقراء في أحسن الأحوال، ما يؤدي إلى تغيير ديموغرافي، فينعدم التوازن وتطفو على السطح طبقة أمراء الحرب الذين يُمسكون بالسلطة تحت عنوان ضرورات المصلحة والمصالحة، فيجمعون الثروات ويستأثرون بالمناصب.
على سبيل المثال، تشير الإحصاءات إلى أنّ أكثر من 12 مليون شخص في سوريا يحتاجون إلى مساعدات إنسانية. ويوضح تقرير صادر عن الأمم المتحدة أن هناك 4,8 مليون شخص في أماكن يصعب الوصول إليها. وتتحدّث الدراسات الصادرة عن منظمة «يونسكو» عن انحدار مستوى التعليم في العراق جراء الحرب، التي وقع ضحيتها ما نسبته 55 في المئة من السكان تحت خط الفقر، فضلاً عن الاحتقان الطائفي والمذهبي الذي ظهر بأبشع صوره بعد انتهاء الغزو الأميركي، وسيطرة التخلّف والجهل والأمية والمرض على المجتمع العراقي بعدما كان العراق قد محا الأمية نهائيًا في العام 1977. فيما يكفي النظر إلى واقع الحال في لبنان في مرحلة ما بعد الحرب للوقوف على حقيقة أن ما بعد الحروب ليس سوى فصل من فصول استمرارها.

Related Posts

LEAVE A COMMENT