ديموقراطية «التعطيل المسلّح» وديموقراطية الحوار والتقرير

وسام سعادة
المؤسسات الدستورية في حالة موت سريري. بدلاً من أن يسري في عمل كل منها، وفي العلاقة بين بعضها، مبدأ مونتسكيو «السلطة تحد السلطة» الذي انبثق منه مبدأ الفصل بين السلطات، فقد جرى تعميم مبدأ «حزب الله» حيث السلطة تُعّطِل السلطة أو تُعطّل من خارجها أو من داخلها. لكن المشكلة ليست في تعطيلية «حزب الله» فقط، المشكلة في أن الأرضية النصّية والواقعية التي تستند اليها مؤسسات الدولة قليلة الحظ بموانع التعطيل، والمضادات الحيوية اللازمة في مواجهته. نحن أمام تركيبة سهلٌ تعطيلها، سهلٌ الخروج عن إيقاع تداول السلطة داخلها، سهلٌ سلبها القدرة على اتخاذ القرارات والقدرة على تنفيذها. أصغر قوة سياسية بإمكانها أن تعطّل هذه التركيبة في مكان ما، فكيف إذا كان المعني هو حزب كبير ومسلّح ومؤدلج كـ»حزب الله»؟

لأجل هذا لم يعد كافياً «نقد المنطق التعطيلي». الجميع في هذا البلد بات يدرك طريقة اشتغال هذا المنطق، ولم تعد حاجة لتنوير أحد بهذا الصدد. باسم التوافق والإجماع وعدم الاستئثار يحدث التعطيل، وحين لا يجد الطرف المُعطِّل من حاجة لابتداع التوافق والإجماع، فهو يسعى مجدداً وراء التعطيل بعناوين ومسوّغات أخرى.

كثير من الأوهام التوصيفية ساهم في تعزيز هذا المنطق التعطيلي. فالديموقراطية مثلاً، لا بدّ لها من وجه توافقي ما، يزيد أو ينقص، ولا يقتصر على الاستثناء اللبناني فقط، حيث الحاجة الى التوافقية تزيد. لكن الديموقراطية لا بدّ أن تكون في ختام النهار أسلوب صنع واتخاذ وتنفيذ للقرار. لا يمكن تخيّل ديموقراطية غير تقريرية. ليس هناك من قرار سياسي جدي إلا ويحتمل المجازفة. ليس هناك من قرار سياسي جدي يمكن تحصيله كنتيجة للتداول بالشأن الى ما لا نهاية.

اعتبار أن الديموقراطية اللبنانية لها شروط مختلفة عن شروط الديموقراطية في البلدان الأخرى كان دائماً فاتحة لأوهام في النظرية، وطيش في العمل. نعم ثمة خصوصيات عديدة للتركيبة اللبنانية، لكن الديموقراطية البرلمانية في لبنان لا يمكن إلا أن تعني ما تعنيه في أي بلد آخر: الحكم التمثيلي القائم على تداول السلطة والفصل بين السلطات وتعاونها. تداول السلطة لا تداول التعطيل. تداول السلطة لا استفحال الشغور الرئاسي. تداول السلطة لا «أنا أو لا أحد». والفصل بين السلطات، لا التحكيم بينها لمرجعية خارج الحدود، أو داخل الحدود لكن خارج الناسوت، أو لمرجعية السلاح. أما مناقضة هذه السلطة أو تلك لـ»ميثاق العيش المشترك» فلا يمكن أن يتحدّد بشكل كيفي. لا يمكن أن تصير السلطة التي لا تشارك فيها نقيض العيش المشترك، في حين تعتبرها شرعية إذا كنت تريد إخراج خصمك منها، ولو كان يعّبر عن بيئة أهلية واسعة هو الآخر.

الأزمة الأهلية هذه هي أزمة دستورية أيضاً. ليس لأنها أزمة بين تصورين دستوريين، أو ثلاثة، واحد قديم والثاني حالي والثالث مؤجل. بل لأنها أزمة كل تصور يعتبر أن لبنان استثناء في القانون الدستوري المقارن، وله مفهوم للديموقراطية مختلف عن باقي البلدان، ومفهوم للاحتكام الى العنف الحزبي أو الأهلي يخصه دونه غيره. هذا التطرّف في خطاب «الخصوصية» لعب هو أيضاً دوراً في التعطيل، مثلما لعب دوراً مشابهاً التطرّف «المثالي»، الذي يفضّل مثلاً انتخاب أفضل رئيس ممكن، وإلا استدامة الفراغ.

كلام السيد حسن نصر الله بالأمس شاهد أساسي على حجم الغربة عن مرجعية الفكرة الدستورية، في «حزب الله» بالدرجة الأولى، وعلى مستوى البلد بدرجات متفاوتة. النقاش السياسي صار متدني الإحالة أو مبتذل الإحالة للمقدمات والمواد الدستورية. وهذا التدني لا يحصل مثلاً للانكباب على التفاصيل، إنما للغرق في عموميات وشعارات ومعادلات لا أصل لها في الدستور.

ديموقراطية التعطيل المسلّح، باسم تأمين التوافق حيناً، وعدم حاجته حيناً آخر، والتضامن مع مظلومية فلان والتفاخر بدل علتان، كل هذا لا يؤدي إلا لتحويل هذا الموت السريري للمؤسسات الى حالة تحلّل كارثي. في المقابل، ديموقراطية الحوار والتقرير تبقى مشروعاً غير مكتمل المعالم، ويحتاج لجهد وطني حقيقي، لكنه مشروع يعني بالدرجة الأولى أنّ القرار ينبثق عن آليات لصنعه واتخاذه وتطبيقه، ولا ينبثق القرار عن الحوار بحد ذاته. الحوار معني فقط بإيضاح آليات اتخاذ القرار، وحماية هذه الآليات.

نقلا عن “المستقبل

Related Posts

LEAVE A COMMENT