مقاربات متباينة للحاضر السريع الحدوث

د. محمد عاكف جمال
نشرات الأنباء حافلة بالأزمات في كل مكان من العالم، فهي تنقل لنا الأزمات الاقتصادية والسياسية، إلا أن هناك أزمات أخرى قد لا ترد في هذه النشرات، قد تكون مجتمعية أو تربوية أو ثقافية.

بعض هذه الأزمات يحدث بسبب النجاحات، وبعضها الآخر يحدث بسبب الفشل والإخفاقات. لهذه الأزمات بشتى أنواعها دور كبير في صناعة تاريخ الشعوب على صعد البناء والهدم، لأنها ظاهرة ترافق الحياة في مراحل النشوء والارتقاء والانحدار.

الأزمات تتباين في سعتها وعمقها حسب طبيعة المكان الذي تنبثق فيه، فأزمات الغرب المتطلع نحو المستقبل، والمدرك لمغزى تسارع خطى التاريخ، غير أزمات دول أخرى لا يزال من بيده مقاليد أمورها غارق في غياهب الماضي. فهناك فوارق كبيرة في مفاهيم الدول حول الزمن والمكان، وهناك تباينات واسعة في منطق تفسير الأحداث أو تبريرها، وهناك طرائق متنوعة في رسم الطريق نحو الغد.

معالجات الأزمات نفسها تعكس مفارقات عجيبة، ففي الوقت الذي يتمتع به سياسيو الغرب بمرونة كبيرة في التفكير والتنفيذ، نرى على الطرف الآخر سياسيون في دول أخرى ما زالوا يقاربون الحاضر ومشكلاته في ضوء صيغ ومسلّمات عفا عليها الزمن، مقاربات تتنافر مع ما تتطلبه الحياة المعاصرة التي طرحت الكثير مما هو جديد، من أجل النهوض بمستوى الحياة أفراداً وشعوباً نحو الأفضل.

هذا التباين يفسر لنا أسباب اندلاع الأزمات واستعار التوترات الاجتماعية، ونشوب الصراعات السياسية الدموية في دول دون أخرى. فحين تعالج مشكلة معينة بعقلية فيها الكثير من القصور عن تفهم مدلولات التغييرات التي حصلت في ربع القرن الأخير، وتداعيات ذلك على حياة الفرد والمجتمع، تتحول هذه المشكلة إلى أزمة.

فمنذ انتهاء الحرب الباردة مطلع تسعينيات القرن المنصرم، بدأ الحاضر يتسارع بنمط جديد غير مألوف نحو تقليص الفجوات بين الثقافات، وتقريب المسافات زمنياً وفكرياً، مع شيوع قيم ذات طبيعة عالمية، تعبر عن مشتركات إنسانية، الأخذ بها في صالح الجميع، لأنها تتعلق باحترام حقوق الإنسان والحفاظ على البيئة.

والدعوة لتبني استراتيجية الاستدامة في التخطيط للحفاظ على حقوق الأجيال القادمة في الثروات. كما أصبحت المعرفة أداة لا يمكن التغاضي عن الدور المتنامي الذي تلعبه في عملية البناء والتطور في العلاقات المجتمعية والدولية، حيث أصبحت القوة الحقيقية التي تنبثق عنها بقية القوى.

هذه التغيرات السريعة، اخترقت بعمق، البنى السياسية والاقتصادية والفكرية في العالم أجمع، وكان لها التأثير الكبير في سلوكيات الأفراد، خاصة الشباب منهم، الذين توافرت لديهم وسائل التواصل الفوري بوسائل شتى مع الآخرين من مختلف البلدان والأعراق، مع بوادر اندلاع نزعة نحو العالمية في الانتماء.

تباينت القراءات لموجة التغيير هذه، فقد تحفظت عليها بعض الدول، أو رفضتها ووضعت القيود والعراقيل أمامها، باعتبارها خطراً يهدد ثقافتها، ويضعف من دورها في رسم مستقبلها.

في حين وجدت دول أخرى، مدلولات مختلفة لهذه الموجة، فرحبت بها، على الرغم من أن هذه الدول تنتمي إلى أطر ثقافات مختلفة، لأنها لم تجد في هذه التغيرات السريعة ما يشكل خطراً على بناها، فاعتمدتها واستفادت منها في إعادة بناء مؤسساتها، بما يتفق مع نمط التسارع في إيقاعات الحياة، فحققت بذلك نجاحات مبهرة، وطفرات اقتصادية وتربوية ومجتمعية مرموقة، كما هو الحال في سنغافورة وماليزيا وكوريا الجنوبية.

غادرت الصراعات العرقية والدينية والمذهبية أراضي الغرب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إلا أنها لا تزال مزدهرة تشكل جوهر الصراعات في منطقة الشرق الأوسط والشمال الأفريقي. فهناك دائماً فسحة للإخلال بخطوط التماس والفصل المألوفة بين الانتماء للوطن أو الانتماء للعرق أو الدين أو المذهب، وهي ليست خيارات، قدر ما هي أقدار مفروضة.

جوهر الصراعات في الغرب، يتركز على حاضره، وما ينبغي أن يكون ليصبح مستقبلاً مقبولاً يحقق طموحات جيل، ويبقي المجال مفتوحاً لتحقيق المزيد. في حين تشهد أغلب بلدان الشرق الأوسط، صراعاً بين ماضي يشغل معظم جنبات الحاضر، وبين مستقبل لا يجد فرصاً واعدة لأن يكون. إنها حقاً، لمفارقة أن نجد ساسة مسؤولين عن مستقبل شعوبهم..

قد تبنوا تصوراً لا يطاله الشك، بالقدر الذي يشغل المستقبل اهتماماتهم، مفاده أن العالم الذي يعرفونه سيستمر كما هو إلى ما لا نهاية. إذ يبدو أن من الصعب عليهم، تصور طريقة حياة مختلفة فعلياً ستفرض نفسها بحكم قوانين تطور المجتمع.

إنهم من حيث المبدأ، يتقبلون الحراك الذي يجري حولهم، إلا أنهم يحسبون، وبشكل جدي، أن تحولات حاضرنا السريعة الحدوث، ستمر بجانبهم فحسب، دون أن تهز الأطر الفكرية والاقتصادية والثقافية المألوفة لديهم ولدى أتباعهم.

حالة اللا استقرار والعنف المستشري في الشرق الأوسط، صنعت ظاهرة الهجرة بشكل غير مسبوق، وأصبحت تشغل الرأي العام العالمي، وهي مثال صارخ على خلق الأزمات بسبب فشل طرائق التعامل مع المشكلات.

المهاجرون مواطنون من دول شرق أوسطية، ينشدون اللجوء إلى أماكن أخرى، ركبوا البحر وخاطروا بحياتهم للهرب من بلدان أصبحت طاردة لأبنائها. من جانب آخر، نجاحات الغرب على الصعد السياسية والاقتصادية والإنسانية، جعلت دوله ذات جاذبية، فهناك لا يعرف الإنسان هويته بمصطلحات عرقية أو دينية أو مذهبية.

نقلا عن “البيان

Related Posts

LEAVE A COMMENT