ما بعد التدخّل الروسيّ

سمير العيطة
خلق التدخّل الروسيّ ديناميّة جديدة في الأزمة السوريّة. أبرز معالمها في المرحلة الحاليّة القصف الجويّ والمعارك على الأرض. وكلاهما يتمحوران الآن حول أرياف حمص وحماه وإدلب. من الواضح إذاً أن الأولويّة في الأهداف حاليّاً ليست لتوجيه ضربة قاصمة لـ «داعش» ولإحداث خرق رئيس في جبهات القتال معها. بل هي لتمكين الجيش السوريّ على الأرض وصدّ «جيش الفتح» ودفعه إلى التراجع عن المناطق التي كسبها مؤخّراً.
ليس واضحاً كيف ستتعامل القوى الإقليميّة الداعمة لـ «جيش الفتح» مع هذه الأولويّة، وما إذا كانت ستذهب في دعمها إلى تصعيد المواجهة إلى حدودٍ قصوى. في حين يتضح أن الولايات المتحدة ما زالت أولويّاتها في عدم دعم سوى مَن يقاتل «داعش»، أي «وحدات حماية الشعب» YPG التي نظّمها «حزب الاتحاد الديموقراطي» الكردي PYD ومن يتحالف معه، لتجد «وحدات الحماية» هذه نفسها مدعومة من الدولتين الكبيرتين سويّة، أي أميركا وروسيا.
يبقى أنّ هذه الديناميّة الجديدة لا يُمكن لها سياسيّاً ومعنويّاً الاستمرار طويلاً، من دون الانتقال سريعاً إلى مرحلة ثانية والتوجّه مباشرة وبشكلٍ كبير لمواجهة «داعش» ذاتها. إذ ستفقد روسيا، إذا ما استمرّت الأولويّات كما هي الآن، التعامل الحيادي أو المرتبك لكثير من الأوساط المعارضة في سوريا تجاه تدخّلها على أنّه، على عكس التدخّل الإيرانيّ، يُمكن أن يُخرِج الصراع السوريّ من احتقانه الطائفيّ. خصوصاً أنّ القصف العشوائيّ بالبراميل على المدنيين قد تقلّص في الآونة الأخيرة. كما ستفقد أيضاً التعامل الحياديّ الخجول من كثيرٍ من الدول الأوروبيّة إذا ما ظهر أنّ «داعش» ستكون هي المستفيدة من انخراطها في الصراع. كذلك لا يُمكن للولايات المتحدة الاعتماد على «وحدات حماية الشعب» وحدها للدفع إلى معركة كبيرة ضدّ «داعش»، وإلاّ سيفسّر الأمر توجّهاً نحو تقسيم سوريا.
كلّ هذه التطوّرات الميدانيّة ومآلاتها المتعدّدة المُمكنة تضع العمليّة السياسيّة بالانتظار، وخاصّة تلك التي أطلقها المبعوث الأمميّ ستيفان دي ميستورا. إذ لا يبدو أنّ مجمـــوعة الاتصال الدوليّة ستجــــتمع قريباً، طالما أن التباين ما زال كبيراً بين مواقف الأطراف الإقليميّة، وبين روسيا والولايات المتحدة. وربّما سيتّجه المبعوث الأمميّ إلى إحلال ديبلوماسيّة مكوكيّة بين الأطراف بدلاً من جلبها جميعها إلى طاولة تفاوض واحدة.
كذلك هو الأمر بالنسبة لمجموعات العمل السوريّة ـ السوريّة المقترحة، حتّى بعدما قام الأمين العام للأمم المتحدة بتسميّة «ميسّريها». إذ تتضارب الدعوة لمجموعة العمل العسكريّة والأمنيّة الأمميّة مع الرغبة الروسية للاجتماع بالمعارضة المسلّحة للتفاوض مباشرة مع الجيش السوريّ. كذلك انقسمت توجّهات المعارضة السياسيّة بين متسرّعٍ للانخراط في مجموعة العمل السياسيّة الأمميّة وبين رافضٍ كليّاً لها بعد تردّدٍ طويل. وهنا أيضاً قد يستبدل المبعوث الأمميّ طاولة التفاوض في المرحلة الحاليّة بالديبلوماسيّة المكوكيّة.
والحقيقة أنّ هذه الديبلوماسيّة المكوكيّة ضروريّة، خاصّة للمواضيع التي كان يجب أن تعالجها مجموعة العمل المختصّة بالشؤون الإنسانيّة. إذ إن ديناميّة الحرب الجديدة ستؤدّي إلى ضحايا جدد وإلى ضرورات إنسانيّة ملحّة أكثر وإلى موجات نزوح كبيرة لمئات آلاف من السوريين الذين لن يعرفوا إلى أين سيتوجّهون بين الحدود التركيّة المغلقة وممارسات السلطة في سوريا.
المقصود بالديبلوماسيّة المكوكيّة في هذه الحالة خلق آليّات تواصل بين جميع الأطراف الحريصة على وحدة سوريا وسلامة أبنائها لإيجاد نقاط تلاقٍ وقواسم مشتركة… على الأقل على المستوى الإنسانيّ ولوقف الحرب ولو في مناطق معيّنة.
أمّا على الصعيد السياسيّ، فما زال الطريق عسيراً وطويلاً كي يتذكّر السوريون أنّهم في النهاية سيعيشون جنباً إلى جنب يوماً ما حين ستنتهي الحرب.

نقلا عن “السفير

Related Posts

LEAVE A COMMENT