السباق على محاربة الإرهاب

د. خليل حسين

طبيعي اختلاف الدول والمنظمات الإقليمية والدولية على وسائل مكافحة الإرهاب، لكن من غير الطبيعي أن نشهد فصلاً لا سابق له في العلاقات الدولية، حين نرى سباقاً غير مبرر بين أطراف متضادة تكافح الإرهاب كل على طريقتها.
فالتحالف الدولي الذي أخذ فرصته الكافية منذ أكثر من عام، لم يحقق عملياً شيئاً يذكر في مواجهة تنظيم داعش، بل على العكس من ذلك، تمدد التنظيم في أكثر من منطقة، وسيطر على مساحات واسعة بمواردها المادية والبشرية، ونفذ إرهاباً لا يتخيله عقل بشري بحق جماعات بأكملها.
اليوم تجرّب روسيا حظها إذا جاز التعبير من بوابة الأزمة السورية، وتحاول رسم صور إعلامية ذات دلالات رمزية متنوعة، جلها الكفاءة العالية في تنفيذ ضربات نوعية في أكثر من موقع للتنظيمات الإرهابية. وبصرف النظر عن دقة تلك الصور النمطية التي ترسخت في أذهان الكثيرين، من أن ثمة جدية روسية في التعاطي مع مكافحة الإرهاب، إلا أن التدقيق في ظاهرة التسابق، يخفي خلفيات ربما لا تخفى على أحد. أبرزها أن مواجهة الإرهاب ليست سوى شماعة كبيرة، تستوعب الكثير ممن يريد التعليق عليها، روسيا أو أمريكا. ولسنا هنا في معرض تعداد الخلفيات التي باتت واضحة للقريب والبعيد، لكن يبقى لها عنوان كبير واحد، هو ماذا بعد هذا التسابق غير المسبوق؟
طبعاً، إن الانغماس الدولي بمختلف صوره وأنماطه في الأزمة السورية، يثير أسئلة أخرى ربما ليست متناسبة مع مصلحة السوريين أو غيرهم، بعد جلاء غبار التنافس، فربما ثمة مصالح مشتركة بين أطراف كثيرة للقضاء على التنظيمات الإرهابية في المنطقة ولو بعد حين، أو بمعنى أدق حين الوصول إلى الحد الأقصى من الاستثمار في تلك الجماعات، حينها فقط سنرى كيف سيتم إغلاق ملفها بشكل أو بآخر، لكن بعد أن تكون جميع القوى في المنطقة قد استُنفدت قواها، وحينها فقط يسهل أكلها وبلعها وهضمها. وحينها أيضاً سيجلس الكبار لتقرير مصير الصغار.
قبل سنة ونيف، وضع مجلس الأمن ثقله بمن فيه، لإصدار القرار 2170 ومن بعده 2199، اللذين نظما وهندسا الحملة على المنظمات الإرهابية في سوريا والعراق، ورغم الاتفاق الظاهر بين موسكو وواشنطن مبدئياً على تلك الآليات والصيغ، إلا أن الثغرات في القرارين المذكورين كانت واضحة لكلا الطرفين، مع علمهما بعدم الفاعلية التي علقت الآمال عليها، فموسكو تدرك تماماً، أن واشنطن لن تتمكن من إحراز الكثير بعملها من الجو، واليوم تدرك موسكو أيضاً، أنها لن تتمكن من قطف الثمار من الجو، وبالتالي لا بد من السباق على الأرض، لا في الجو، وهو أمر متعذر للطرفين الروسي والأمريكي، بفعل التجارب المريرة التي خاضها الطرفان في غير مكان من العالم، منذ حقبة الستينات والسبعينات من القرن الماضي إلى يومنا هذا.
ثمة مصلحة حقيقية للبشرية جمعاء وليس للطرفين الروسي والأمريكي فقط للقضاء على التنظيمات الإرهابية في الشرق الأوسط، بعد ما أيقن العالم كله، أن العمليات الإرهابية تطال الجميع أينما وجدت وفي أي زمن يمكن أن تختاره هذه الجماعات. لذا فإن السباق غير المبرر بوسائله وأدواته وربما بتوقيته، ينبغي التعامل معه على أنه فرصة حقيقية متاحة لجميع الأطراف الفاعلة للتخلص من وحشية هذه التنظيمات، لاسيما أن كثيراً ما تتقاطع مصالحها في ظروف مثلى للتعاون، وليس التسابق من بوابة تسجيل المكاسب بهدف صرفها في النفوذين الإقليمي والدولي.
ثمة سبع عشرة اتفاقية دولية، وعشرات القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن، حدّدت ونظّمت كيفية التعامل مع المنظمات الإرهابية ووسائل وأدوات مواجهتها، لكن العِبرة تبقى دائماً في التنفيذ الصحيح والمناسب، لكل حالة بعينها، وهنا تبرز أسئلة أخرى أشد خطورة وحرجاً على المتسابقين الروسي والأمريكي، مضمونها، هل أن المواجهة كتب لها أن تبقى في إطار حسابات الطرفين، لجهة السيطرة على المنطقة التي تتيح بالتالي إلى التمدد سياسياً واستراتيجياً إلى فضاءات أخرى، أقلها التحكم في الكثير من مفاصل النظام الدولي.
ثمة إرهاب منظم بحرفية عالية جداً، وفي وقت يواجه بتنافس مقلق جداً، حيث تجري عمليات الفعل ورد الفعل في ظروف هي الأسوأ في تاريخ العرب، حيث لا فعل ولا حتى كلام، ننتظر الطائرات من هنا وهناك، لتصم آذاننا وتلعثم ألسنتنا، باختصار، هم دائماً يراجعون، ونحن دائماً نتراجع.
نقلا عن “الخليج

Related Posts

LEAVE A COMMENT