هل ملّ السوريون الحرب؟

بلال سليطين
في نهاية أيلول الماضي، تظاهر العشرات من أهالي سراقب في ريف إدلب احتجاجاً على عدم شمل مدينتهم باتفاق الهدنة بين الحكومة السورية والمجموعات المسلحة، أو ما يعرف إعلامياً بهدنة «الزبداني ـ كفريا والفوعة»، والتي شملت عدداً من المناطق الأخرى.
هذه التظاهرة تُعَدّ الأولى من نوعها في سوريا، حيث لم يسبق أن تظاهر سوريون في مناطق سيطرة المجموعات المسلحة، وطالبوا بهدنة. على العكس تماماً، كانت كل التظاهرات تشجّع على الحرب، خصوصاً في محافظة إدلب التي انطلق منها شعار «بالذبح جيناكم»، من طفل يحمله شخص ملتحٍ، ويحيط به مئات المسلحين، ما يطرح تساؤلاً مشروعاً مفاده: هل ملّ السوريون الحرب؟
مسلّحو سراقب الذين كانوا قبل أشهر يقاتلون ضد الدولة السورية في مدينة إدلب إلى جانب «جبهة النصرة»، كانوا أيضاً من بين المتظاهرين، وقد اشتركوا في قطع الطريق، وبعضهم حمل سلاحاً واتجه باتجاه كفريا والفوعة لإفشال الهدنة وإعادة صياغتها من جديد بطريقة تشملهم. وتمحورت غالبية تغريدات قادة الميليشيات المسلحة من السوريين في سراقب حول أنهم تعبوا من الغارات الجوية، ويريدون وقف الموت العشوائي في مناطق سيطرتهم.
قد تكون الهدنة سبباً في لفت نظر السوريين إلى أن هناك حلولاً أخرى لمشاكلهم غير الحرب العبثية التي يشهدونها، ويختلفون حول توصيفها بين أزمة وثورة، في ظل انتشار ظاهرة الاغتيالات في مناطق التوتر، والتي كان آخر ضحاياها أحمد الحمصي، رئيس هيئة علماء تلبيسة الخاضعة لسيطرة الجماعات المتشددة، والذي قتل أثناء ذهابه لصلاة الفجر قبل أيام.
في عيد الأضحى دخل 27 ألف مواطن إلى سوريا قادمين من تركيا لقضاء العيد مع عوائلهم، وفق ما ذكرت مصادر رسمية تركية. هؤلاء السوريون ما كانوا قبل عام من الآن يفكّرون في العيد ولا في أجواء العيد، وإنما كان فكرهم محصوراً بدعم موقفهم، سواء أكانوا مع المجموعات المسلحة أم «جبهة النصرة» أم «داعش» أم حتى الحكومة السورية، وبالتالي كانوا يزّكون الحرب بقصد أو عن غير قصد.
منسّق منظمة السلام والأمان العربية محمد الشماع، المقيم في مضايا، يقول «هناك ملل لدى الأهالي من الأطراف المتحاربة. يمكن القول إن ملامحه تشكلت قبل عامين، عندما بدأنا نجد محاولات هنا وهناك لتشكيل مجموعات أهلية للضغط على المسلحين ليس من أجل هدنة قصيرة فقط وإنما من أجل تسوية شاملة».
المللُ من الحرب حاضر لدى أشدّ المتطرّفين في هذه البلاد، حتى ولو أنكروا ذلك. مشاهد السوريين العابرين سيراً على الأقدام إلى أوروبا كلاجئين تُوضح جانبا من هذا اليأس والملل من الحرب، فالآلاف من هؤلاء كانوا بالأمس القريب يبايعون الحرب في كل حياتهم، حتى أن بعضهم، وفق تقارير صحافية، كانوا مقاتلين في صفوف «جبهة النصرة»، مثل اللاجئ أسامة، الذي بات مدرباً في إسبانياً بعد أن تلقى ركلة من صحافية، حيث أعلن المسؤول في «الحزب الديموقراطي الكردي» إبراهيم إبراهيم أن اللاجئ المذكور قاتل في صفوف المجموعات التكفيرية داخل سوريا خلال السنوات الماضية.
«ريتا» تزوّجت مؤخراً من ضابط في الجيش السوري بعد أن تأجّل عرسها أربع سنوات، لأن زوجها لم يكن يحصل على إجازة كافية لتحضيرات العرس. وكثيراً ما كانت تمرّ أشهر وهو يقاتل على الجبهة في درعا من دون أن يحصل على إجازة. وتقول «ريتا»: «أنا مؤمنة تماماً بأهمية الدور الذي يلعبه زوجي، لكنني أيضاً أريد لهذه الحرب أن تتوقف ويعود الناس إلى بيوتهم آمنين».
وحدهم أصحاب العقول المتحجّرة والمنتفعون من هذه الحرب، وهم كثر، مازالوا يسكنون في برج عاجي، بعيداً عن آلام السوريين وأوجاعهم التي لا يشعرون بها، فهم لم يكترثوا لجرحى الزبداني ولا لجرحى الفوعة، فقط كان همهم تخوين «حركة أحرار الشام» التي كانت جزءاً من اتفاق الهدنة، الذي من شأنه أن يخفف من الأزمة الإنسانية التي يعيشها جزء لا يُستهان به من السوريين.
ما فعله مسلّحو سراقب قد يكون إشارة واضحة لولادة تيار جديد في الشارع السوري، خصوصاً ذلك الذي يعيش خارج مناطق سيطرة الدولة. تيار ملّ الحرب، وكلما زاد عدد من التحقوا به، بات أفق الحل في سوريا اقرب.

نقلا عن “السفير

Related Posts

LEAVE A COMMENT