تقاسيم (حبال روسيا… على مزاج إيران!)

علي القاسمي
لعبت «روسيا» على ما أمكن من الحبال المتوافرة في مسرح الشرق الأوسط، لكنها صبّت في القضية السورية كامل حماستها وجهودها وما وراء أحاديثها على حبلين رئيسين، لأنهما يقودانها، وعلى مراحل تستلزم كثيراً من الصمت والخبث، إلى غواية عبور «السور» السوري. هذان الحبلان لعب ويلعب بهما كثيراً في المشهد السياسي، لكن المهارات تختلف والقوى والقدرات كذلك. روسيا ذات ثقل مختلف ونيات أعمق من نيات اللاعبين الأصغر تجربة والتواءً وعبثاً بالملفات والمحاور، ولو بفوارق بسيطة جداً في جزء العبث. حبل روسيا الأول كان حماية نظام بشار الأسد، باعتبار أن روسيا حليف قديم متجدد للنظام المتوحش وسلفه، وفي هذه الحماية ما يكفي من تمزيق لأعصاب وجر الطاولات لمحادثات لا تسمن ولا تغني من جوع، لتكون هذه المحادثات خطة محترفة لسحب الأنظار من مربعات الجريمة والوحشية والإجرام إلى دوائر المراوغات والتنديد والجمل المنمقة التي تعبر من تحتها مخططات التفتيت ومن فوقها إبر التخدير وحبوب التهدئة. الحبل الأكثر صدقاً هو تأمين المصالح في سورية بغض النظر عمن يكون النظام؟ وماذا يفعل؟ طالما كان مصافحاً اليد الروسية بلا وعي وإلى حدود الخيبة والإنكسار والتقرب للأقدام. وما بين حبل الحماية وحبل التأمين تزايد الشركاء في القتل والمستثمرون لهذه الفوضى المخجلة.
روسيا تسوق المنطقة لحرب باردة لن تجني منها سوى مزيد من الصراعات والتحديات والغضب الدولي المتنوع اللغات، المتذبذب المواقف. وما يدهشني هنا أن الدب الروسي يبدو كأنه لم يستفد قطعاً من تجربته المظلمة في أفغانستان، تلك التي كانت اعتداء صريحاً على شعب وانتهى هذا الاعتداء بما لم تكن تفكر روسيا في عُشْرِه على الإطلاق.
من أشهر وأكثر ركاب الحافلة الروسية في ميادين سورية الراكب الإيراني الذي شعر بأن حافلته لن تسير بخير في سورية، ولم تنجح جولاتها المتكررة والمخادعة فغادرها على أن يلتحق بشريك يحمل حافلة أكثر ذكاءً في الموازنة بين المصالح والقدرات والحصول على المراد بأقل الخسائر وأبرع الحيل وأكثرها بعثاً للأمان الموقت والرضا العام. إفلاس النظام السوري محسوم وإن كان ذاك لا ولن يرضي روسيا في الوقت الحالي نزولاً عند مخرجات ولوازم حبلها الثاني، وملامح الإفلاس تُقرأ من التدخل الروسي الصريح والمعلن في أرض سورية، لأن فيه إشارة بالغة الحساسية عن فشل التدخل الإيراني الطويل الأمد واضطراره للاستعانة بصديق.
وللتاريخ والزمن المتقلب في المصالح والرؤى والنيات يكفي وقوف روسيا حجر عثرة في طريق إدانة جرائم بشار ونظامه لترسيخ الإيمان التام بأنها شريك رئيس في كل ما يحدث على الأراضي السورية من قتل وبشاعة واستمرار متقن لفضائح السفاح وشبيحته المنهكين والمنتظرين لمعين لهم وبذات المواصفات التي يحملونها، ضمير ميت، قلوب سوداء، حقد دفين على كل من لا يصفق لهم.
موسكو وطهران تبنيان مصالحهما على من هو أقل منهما انطلاقاً من «حيل القوي على الضعيف»، وخصوصاً في منطقة المغلوب على أمرها «سورية»، ولعل هذا البناء من ثمرات التوقيع بين إيران ومجموعة (5+1) في محيط التخطيط النووي، ويظل المضحك قبل سكب السطر الأخير أن إيران صاحبة أسخف تغافل عالمي لا ترى في التدخل الروسي في سورية أي محظور، بل تراه طبيعياً نقياً ولائقاً بالظروف المحيطة والتحديات الساخنة، لكنها تستنكر وتتباكى وتشكّك في التدخل العربي لحماية اليمن. إنها بحق لعنة المصالح الهابطة وعار الخيانات، وذل أن تتظاهر في النهار بأنك حمل وديع وأنت في المساء ثعبان شديد السمية!.

المصدر: الحياة اللندنية

Related Posts

LEAVE A COMMENT