و«الحشد العشائري السني» لدحر «داعش»!

الشرق الأوسط – عندما اختار باراك أوباما الجنرال المتقاعد جون آلن منسقًا للتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، كان يعرف أنه أحد أبرز مهندسي «استراتيجية الصحوات» التي نجحت عام 2008 حيث فشل الجيش الأميركي عندما تمكنت من إلحاق الهزيمة بـ«القاعدة» في الأنبار.
لكن آلن يواجه منذ عام مهمات صعبة في إعادة لملمة صفوف مقاتلي العشائر السنّية، الذين كان نوري المالكي قد نكّل بهم فساق الاتهامات إلى كثيرين منهم وأمر بوقف رواتبهم وصرفهم بدلاً من ضمهم إلى الجيش كما كان وعد الأميركيين، وفشل آلن كان نتيجة أسباب منها:
أولاً: لأن حكومة حيدر العبادي لم تتمكن من تنفيذ بيانها الوزاري فيما يتصل بإقامة الحرس الوطني في المحافظات بحيث يُعاد جمع صفوف من بقي من «الصحوات»، وثانيًا: لأن الإيرانيين الذين يهيمنون على القرار العراقي يرفضون بشدة أي محاولة لتسليح مقاتلي السنة ولو لدحر «داعش»، وثالثًا: لأن أوباما المتهافت على الاتفاق مع طهران لم يضغط في اتجاه إحياء تجربة الصحوات، ورابعًا: لأن تركيا لم تدعم هذا الاتجاه لأسباب تتعلق برهانات رجب طيب إردوغان على «الآيديولوجيا الإسلامية».
سقطت الموصل قبل عام ونيف ثم سقطت الرمادي وتوسّع «داعش» في سوريا والعراق، وهذا يعني أن التحالف الدولي فشل في دحر الإرهابيين حتى الآن (ربما أميركا ليست مستعجلة لهذا). كذلك تفشل الحكومة العراقية في تحرير الموصل والرمادي ويستمر رفض تسليح العشائر السنّية التي تريد أن تحرر مناطقها لأسباب مذهبية لم يتمكن العبادي من معالجتها لأن بصمات المالكي الإيرانية تبرز على المشهد العراقي!
كذلك فشلت إيران التي افترضت أنها بتدخلها المباشر أو عبر «الحشد الشعبي» الشيعي تستطيع أن تهزم «داعش»، لكن قتال الشيعة في المناطق السنّية وتجاوزات بعض العناصر كما حصل في تكريت مثلاً، حيث أُحرقت منازل السنة وتم تهجير بعضهم خدما «داعش» من خلال تأجيج الكراهيات المذهبية.
بإزاء كل هذا برزت في الأيام الماضية مؤشرات جادة في اتجاه العمل لإحياء «استراتيجية الصحوات» بإعادة ترتيب صفوف العشائر وتسليحها لتبدأ بتحرير المناطق التي يحتلها «داعش» ومعظمها مناطق سنّية، ويأتي هذا الاتجاه على قاعدة اقتناع بأن من الضروري والملحّ أن تأتي هزيمة الدواعش والإرهابيين مختطفي الإسلام على أيدي العشائر السنّية، التي وصل عددها عام 2007 إلى 90 ألف مقاتل في الأنبار، والتي يمكنها الآن أن تجنّد أكثر من خمسين ألفًا، ليكون هذا أهم انتصار لأنه ينهي الداعشية ويسقط الفتنة المذهبية التي تعصف في المنطقة كلها.
وهكذا إذا كانت زيارة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني إلى البادية الشمالية واجتماعه مع عدد من شيوخ العشائر ووجهائها، قد أثارت اهتمامًا كبيرًا من منطلق الاهتمام باستنهاض «الصحوات» عبر إيجاد مصادر وجهات تتولى تسليحها وتدريبها ودعمها في المعركة ضد «داعش»، فإن ما أعلنه هناك يوحي بأن الأردن سيلعب دورًا أساسيا في إطلاق هذه العملية المهمة، فقد أكّد التزام الأردن حماية العشائر في شرق سوريا وغرب العراق قائلاً بالحرف: «إن العالم يدرك أهمية دور الأردن في حلّ المشاكل في سوريا والعراق وضمان أمن المنطقة واستقرارها».
صحيح أن الأردن عضو في «التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب»، ولكن كلام الملك عبد الله كبير وينطوي على مؤشرات مهمة، ذلك أنه لم يكن ليعلن بالصوت والصورة أن العالم يدرك أهمية دور الأردن في حلّ مشاكل سوريا والعراق، لو لم يكن هناك فعلاً بحث عملي مع الدول الفاعلة في هذا الدور، ثم إن هذا الكلام قيل لشيوخ العشائر التي تصرخ منذ عام ونيف طالبة التسليح والدعم لمقاتلة «داعش» لكن دون جدوى!
ليس من قبيل المجاملة فحسب أن يقول العاهل الأردني لشيوخ العشائر «أنتم أهلي وربعي وأنتم قريبون من القلب وجزء أصيل من الأسرة الأردنية وأنا فخور بأن أكون بينكم»، فمن المعروف عمق الوشائج التاريخية التي تربط النظام الأردني بالعشائر وإدراك الأردن العميق والثابت للأعراف والتقاليد والسيكولوجيا التي تميّز الشخصية العشائرية الصلبة والمتراصة، ولهذا ليس مستبعدًا أن تكون البوابة الأردنية المعبر الأساسي للعمل على إحياء «استراتيجيا الصحوات» بالتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية!
والدليل أن الملك عبد الله ذهب إلى البادية الشمالية يوم 15 الجاري في حين كان رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري قد عاد لتوّه من واشنطن حيث أجرى محادثات مع باراك أوباما والمسؤولين الأميركيين، داعيًا عشائر محافظة الأنبار التي تتشارك الحدود مع الأردن والسعودية وسوريا إلى ضرورة تسجيل أسماء المتطوعين المستعدين لحمل السلاح من أهالي الأنبار للمشاركة في تحرير الرمادي، متوقعًا أن يصل عددهم إلى عشرة آلاف سيتم تدريبهم بالاتفاق مع الإدارة الأميركية.
وكانت المباحثات التي أجراها الجبوري مع أوباما ونائبه جو بايدن تركزت على تسريع تسليح أبناء العشائر السنّية في غرب العراق مباشرة لكن بالتنسيق مع الحكومة العراقية، وإعطائهم دورًا كبيرًا وفاعلاً من أجل تعزيز الإرادة في القتال والاستفادة من خبرتهم في معرفة طبيعة الأرض لطرد «داعش» من مناطقهم ومن ثم إلحاقهم بالجيش الوطني.
وفي السياق يقول الجنرال مارتن ديمبسي إن إقامة معسكرات أميركية جديدة في قاعدة «التقدم» ستساعدنا في جذب المزيد من العشائر المستعدة للتصدي للإرهابيين والتي يمكنها أيضا السيطرة على الأراضي التي يتم تحريرها في الأنبار وأن تحمي أجنحة قوات الأمن العراقية بما يساعد على رأب الصدع المذهبي العميق!
بين كلام الملك عبد الله عن دور الأردن في دعم العشائر، والحديث الأميركي عن تسليح رجال العشائر السنّية مباشرة بعدما تقاعست حكومة العبادي عن هذا الأمر، على خلفية إصرار إيران على دفع الحشد الشعبي الشيعي إلى الأنبار على حدود السعودية والأردن، تتحدث تقارير دبلوماسية عليا عن أهمية أن تأتي عملية دحر «داعش» على يد ما سمته «الحشد العشائري السنّي» الذي يحقق انتصارين؛ أولا هزيمة الدواعش، وثانيًا وقف الفتنة المذهبية الزاحفة بما يخدم المنطقة كلها.
تحالف القوى العراقية السنّية الذي يضم نائب الرئيس العراقي أسامة النجيفي أشاد بموقف الملك عبد الله، مؤكدًا حاجة العشائر إلى الدعم والسلاح، في حين اعتبر التحالف الوطني العراقي الشيعي أنه كلام يتجاوز على السيادة العراقية، بما يؤكّد ضرورة وأهمية أن يأتي دحر «داعش» على يد «الحشد السني العشائري» بما يهزم الإرهابيين ويساعد على رأب الصدع المذهبي الذي تؤججه محاولة إيران التفرّد بمحاربة «داعش» وهو ما يقوي الدواعش!

Related Posts

LEAVE A COMMENT