الهيمنة الإيرانية على القرار العسكري العراقي

داود البصري
في الشرق القديم, وفي القلب منه, تدور اليوم معارك ستراتيجية كبرى لتقرير مسار وإدارة الملفات الساخنة المتراكمة منذ عقود , ولفرز قيادة إقليمية للمنطقة تمارس إدارة الصراع إلى الدرجة التي وصلت لتفعيل حروب أهلية وطائفية ساخنة من أجل فرض إرادتها وتقرير رؤاها! فالنظام الإيراني, وهويرفع اليوم قفاز التحدي دفاعا عن مصالحه المنهارة وقوته المتلاشية, يخوض صراعا دمويا وتعبويا ساخنا لايعرف الهوادة من أجل الدفاع عن مساحات تغلغله الإقليمية وخطوط مواصلاته التي طالت وتشعبت كثيرا في المنطقة.
ففي العراق المتصادم طائفيا, تتحرك الأمور بسرعة كبيرة نحونهايات غير سارة لمشهد الصراع الداخلي العراقي الذي بات في حالة تصاعد دموي مثير للقلق, فالعمليات العسكرية الأخيرة في محافظة الأنبار, وتقدم تنظيم الدولة في معارك ناظم الثرثار ومصفى بيجي والخسائر التي عانى منها الجيش العراقي , قد رفعت أصوات التيار الإيراني في السلطة والمنتقد بشدة لأداء وزير الدفاع السيد خالد العبيدي محملين إياه مسؤولية ماحدث, رغم غموض المشهد هناك, إذ شن أعضاء كتلة دولة القانون حملات مستمرة وبذرائع مختلفة على وزير الدفاع في ظل جهود حثيثة لإزاحته وإسناد الوزارة للتيار الإيراني الصاعد وتحديدا للقيادي في الحرس الثوري والوزير السابق وقائد عصابة “بدر” الطائفية هادي العامري الذي تحول اليوم ليكون الصوت الإيراني القوي داخل حكومة العبادي وحيث ينتقد بإستمرار الولايات المتحدة ويعلن ولائه التام والصريح للنظام الإيراني , ويؤكد إدخال الحرس الثوري للمشاركة في معمعة القتال الداخلي, ورغم أن تيار هادي العامري هوالمهيمن على وزارة الداخلية من خلال وزيرها الحالي محمد سالم الغبان الذي هوأحد رجال العامري في تنظيم بدر الحرسي التابع قلبا وقالبا للنظام الإيراني, إلا أن العيون والمجسات الإيرانية تتجه صوب السيطرة على وزارة الدفاع العراقية لقدرتها التعبوية أولا , ولدورها في إعادة تخطيط ساحة العمليات وتغيير الطوبوغرافيا العراقية , وفرض معادلات توسع طائفية ذات علاقة ليس بالصراع الداخلي العراقي فقط , بل بالوضع الإقليمي, ولعل إصرار قيادة الحشد الشعبي الموجه من إيران بشكل مباشر على دخول الأنبار وقيادة المعركة من هناك ليس بهدف القضاء على تنظيم الدولة فقط , فتلك مهمة ليست سهلة أبدا , بل أن الهدف هوتمركز تكتيكي لفرض تغيير ديموغرافي وسكاني وطائفي مشبوه , فإلحاق منطقة النخيب التابعة للرمادي بقيادة عمليات كربلاء ودخول قوات الحشد الشعبي لها بهدف قطع إمتداد الأنبار مع الأردن والسعودية وجعل الميليشيات الإيرانية تقف مباشرة في مواجهة الحدود الأردنية والسعودية وبناء على توصيات ورغبة إيرانية محضة ضمن مسلسل إدارة الصراع الإقليمي الساخن, وحيث تعد الترتيبات في العراق اليوم لترتيب حدود تمركز وتموقع طائفية انتظارا لمفاجآت المرحلة المقبلة في ضوء سيناريوهات الصراع السوري وحرب إدارة الميليشيات الطائفية في الشرق القديم!
وليس سرا أبدا التأكيد على ارتباط الصراع الداخلي الطائفي العراقي بمعادلات إقليمية حساسة مع ما يعني ذلك من تحويل العراق لرأس حربة إيراني متقدم في الشرق والخليج العربي, وهودور ليس مؤهلا للعراق تأديته فيه, بل كان على العراق على الدوام قلعة عربية شامخة للدفاع عن الحياض الوطني وعن الحدود الشرقية للأمة , النظام الإيراني وعبر ميليشياته التي تخلت بالكامل عن أسلوب المراوغة ولجأت لأسلوب المواجهة المباشرة والسباق من أجل تحقيق الأهداف والأجندات الإيرانية حول العراق ساحة مركزية من ساحات حربه الإقليمية المشتعلة ومعاركه التي لا تنتهي , وجهوده للحفاظ على الخط الستراتيجي القائم بين كابول والمار ببغداد ودمشق والمنتهي ببيروت على البحر المتوسط من دون تجاهل التمدد في بحر العرب والبحر الأحمر ومحاولة البلطجة المستمرة في الخليج العربي عبر الأجندات الطائفية الإيرانية المعروفة في الكويت والبحرين خصوصا! والسيطرة الإيرانية على وزارة الدفاع العراقية من خلال العملاء الوكلاء المباشرين من العراقيين , تعني السيطرة على ألأمن الوطني العراقي بالكامل! وتهديد الأمن القومي لدول الخليج العربي, لذلك كانت العودة السريعة والصامتة الأخيرة للسردار قاسم سليماني للعراق لإدارة عمليات الحرس الثوري هناك بناء على رغبة الحكومة العراقية ذاتها, رغم ما يعنيه ذلك من إحتمالات تصادمية مع الحليف الأميركي, الذي يصر على تحجيم الميليشيات الطائفية وأبعادها عن ساحة العمليات, كثمن وشرط لاستمرار المساعدات الأميركية العسكرية والتي من دون غطائها الجوي لايمكن أن يتحقق أي تقدم على الأرض.
في العراق اليوم تدور رحى معركة مستقبلية رهيبة لتقرير مصيره وتحديد إنتمائه وتوجهاته مما سيدخله في معارك ستستمر لعقود إن لم تتم معالجة الموقف دوليا , فمن هناك تحديدا تنطلق البروق والرعود لتقرير مصير خريطة الشرق بأسره , والميليشيات الطائفية بعد أن أظهرت أنيابها تحاول مصادرة العراق وتحويله كانتونات طائفية مريضة ومعزولة ومتقاتلة وحديقة خلفية تابعة للنظام الإيراني , وهوما يلخص كل حكايات وأسرار الصراع في الشرق القديم. وهوصراع ذات نهايات حادة ومباشرة, بل مؤلمة على مستقبل وخارطة الصراع الإقليمي الساخن الرهيب.

Related Posts

LEAVE A COMMENT