ماذا يبقى من العراق؟

رباح ال جعفر

عندما سمعنا أن العضو في الحزب الجمهوري (ماك ثوربيري) تَقدم إلى الكونغرس الأميركي بمشروع قرار يدعو إلى تسليح فصائل عراقية وضعنا أيدينا على قلوبنا، ونحن نؤمن أن الأمر جلل، وأنه باب للتقسيم ومصدر للفتنة، ونظرنا طويلاً إلى الخارطة فوجدناها ترتجف.
كنّا نظن أن رئيس الجمهورية سيدعو إلى اجتماع طارئ، وأن رئيس الوزراء سيوجه خطاباً شديد اللهجة يعلن فيه النفير العام، وأن رئيس مجلس النواب سيدعو البرلمان إلى الانعقاد، وأن وزارة الخارجية ستستدعي السفير الأميركي في المنطقة الخضراء وتسلمه في أقل تقدير مذكرة احتجاج، وتقول له: إما أن ترحل عن ديارنا، أو أن تقف مكانك وتلزم حدودك.
وكنّا ننتظر من الشعب العراقي أن يخرج بتظاهرات مليونية حتى آخر رجل، وحتى آخر شارع، وحتى يستقيم الطريق، ويطوف في الساحات والميادين مزمجراً بهتافاته الغاضبة التي تشق عنان السماء، ومدجّجاً بحماسته الوطنية الباسلة، ليثبت للعالم كله أنه شعب لا يقبل القسمة والانقسام والتشظي، وأنه سيحاكم جميع “السياسيين” من الذين جعلوا العراق تفاحة على مائدة أميركا وغير أميركا، من الأصدقاء والأشقاء والأعداء، وفتحوا لهم الباب، وفرشوا السجادة الحمراء حتى غرف نومهم الداخلية، وارتضوا القبول بالهوان.
لم يحدث شيء من هذا كله. اختلف “الساسة” العراقيون مرة أخرى في مواقفهم وتباينت آراؤهم. وجدنا نواباً يبتهجون بالمشروع الأميركي ويشعرون في أعماقهم بالنشوة وبالانتصار، ورأينا نواباً آخرين يعارضون ويستنكرون ويمتعضون، وخرجت الصحف بعناوينها العريضة في اليوم التالي إما بنشر الخبر على استحياء، أو كأن شيئاً لم يكن.
إنها مجرد فورة إعلانية في لحظة عاطفية لا تقدم ولا تؤخر، ولا تنفع ولا تضر، ستنتهي في أيام. والنتيجة لم يستطع أحد أن يلجم شهيّة وطن ذاهب بكامل تاريخه إلى الانتحار.
واضح أن المشروع الأميركي الجديد يرسم ملامح خارطة تقسيم لعراق لن يبقى منه سوى الذكريات، مهما حاولنا أن نعزّي أنفسنا أن الأمر ليس كذلك. وأن أكثر من عراق ضعيف، منقسم، معزول، لا يشبه عراق الآباء والأجداد سيولد من نصل السكاكين والبراكين في زمن عالمي جديد، وأن مشروع بايدن لم يأت من وحي الزخرفة اللغوية، ولا من باب التمني.
الحرب أمامنا شائكة ومريرة، سيكون الخاسر الأكبر فيها العراق، والتقسيم آت لو بقينا على هذا الحال. ودعونا نعترف أن التقسيم بدأ من أول سطر مكتوب في دستور بريمر، ومنذ وقفت أول دبابة أميركية فوق جسر الجمهورية تشطر العراقيين طوائف وأطيافاً ومكونات.
الآن وفي هذه اللحظة الفاصلة، هل يصحّ الإعلان عن وفاة العراق بعد دخوله في غيبوبة طويلة؟ وأننا في انتظار إعلان الموت بشكل رسمي، واستخراج شهادة الوفاة من أقرب مستشفى للطب العدلي، وتوزيع الأسهم والحصص على الورثة في القسّام الشرعي، وقراءة سورة الفاتحة؟!

Related Posts

LEAVE A COMMENT