على شماعة «داعش» سيعلق المتحاصصون جثة العراق

جمال محمد تقي

عندما يلمح المتنفذون في حكم المشهد العراقي، ومن كل الاتجاهات، إلى قيام واقع عراقي مختلف بعد التخلص من احتلالات تنظيم «داعش»، فإن الاذهان تتوقع للوهلة الاولى، انهم يلمحون الى عملية بناء جديدة سيتم فيها تجاوز المعضلات المستدامة والمتأصلة في جينات العملية السياسية القائمة منذ 2003 وحتى الان، التي اثبتت التجربة العملية فشلها الذريع، بل عقمها المفعل، وكأنها مقدمة مستحقة للآتي، أي لا بد منها موضوعيا للانحدار بها للنتائج القائمة، حيث لا يستدل منها وبالعين المجردة، الا على تحقيق التقسيم العملي للعراق، والى مشاريع منجزة لثلاث دول غير متصالحة، دولة كردية ودولة شيعية ودولة سنية!
للأسف الشديد إنهم يلمحون للمشروع ذاته، ويبدو ان «داعش» قد منحتهم فرصا جديدة لتعميق وتبرير التمترسات التقسيمية التي أوجدوها قبل وجود «داعش» ذاتها، فبدلا من ان يكون استهداف «داعش» الواضح للجميع حافزا لتجاوز التخندقات القائمة واستحضارا للمشروع الوطني المغيب، صار كل طرف يبتز مقتضيات قتالها لمصلحة هدفه الانقسامي والانعزالي، وفي حالة الاحزاب الشيعية، هدفها الاقصائي والهيمنوي المتلبس بثوب الغلبة الطائفية.
يقول عمار الحكيم بمناسبة «يوم الشهيد محمد باقر الحكيم»: المرحلة الحالية حاسمة في تاريخ العراق، إما ان يبقى العراق او لا يبقى، ولن ننتظر الاخرين ليرسموا لنا خرائطنا، نحن من سيرسم الخرائط الجديدة في الشرق الاوسط. ويقول محمود عثمان وهو قيادي كردي: العراق ما بعد «داعش» سيكون أخطر مما هو عليه الآن. أما مسعود بارزاني فيقول: العراق ما قبل سقوط الموصل غير العراق ما بعد هذا السقوط، والان سنطبق المادة 140 التي لا يريد تطبيقها الاخرون.
ويقول نوري المالكي نائب رئيس الجمهورية، أثناء خطبة له في تجمع من الحشد الشعبي في تكريت، بعد ان زار مرقدي الإمامين العسكريين في سامراء: لن نسمح بعودة كل من أيد الدواعش، أو اختلف معنا في محاربتها الى هذه الارض التي اتمنى ان تسكن قصورها عوائل الشهداء، وان توزع للمحررين قطع سكن فيها ليكونوا قرب مصارع الشهداء، شهداء سبايكر، وشهداء الحشد. محافظ الموصل اثيل النجيفي يقول: بعد تحرير الموصل لن نسمح باستمرار علاقة الاذلال التي كانت تنتهجها حكومة بغداد وقواتها مع مدينة الموصل وابنائها.
ما يلمح به هؤلاء وغيرهم من المتنفذين هو اتساق مع الافعال السائدة، ومع التطلعات والاستشرافات التي يريدونها ويستعجلونها، فالسيطرة الكردية على كركوك وتمددها على مناطق في محافظات ديالى والموصل وصلاح الدين وإعلان بارزاني أن الحدود الآن ترسم بالدم، ومن يحرر الارض يحتفظ بها، دليل على التسويات القسرية المقبلة، التي ستكون وحشية «داعش» أمامها أخف مما سيجري من سلخ وانسلاخ، بمعزل عن الديموغرافية التي يريدون متغيراتها صابة في ساقية سياسة الضم والقضم والفصم، ثم تحميل «داعش» وحدها مسؤولية الواقع الجديد.
ان وجود مليونين وسبعمئة نازح، اغلبهم من المناطق المتنازع عليها، كرديا وعربيا، شيعيا وسنيا، منهم أكثر من مليون داخل اقليم كردستان، واقع فوضوي يفعل به المتنفذون الافاعيل لإعادة رسم خرائط الديموغرافيا، بما يلائم خرائط الحدود الادارية والسياسية والدولية لاحقا!
لقد تناصف قادة الكرد والشيعة مهمات التغيير الديموغرافي في محافظة ديالى، على حساب المكون السني فيها، فالتهجير والنزوح والتقتيل فيهم، من قبل الميليشيات الطائفية وبدعم ايراني صريح، بحجة محاربة الارهاب، بعد ان كانت محافظة باكثرية سنية، اصبحت الان محافظة محكومة شيعيا ومستقطعة كرديا، خانقين وجلولاء والساعدية وبلدروز، الشيعة وطنوا ما يقارب 10 الاف من اصول ايرانية في بعقوبة والمقدادية وخان بني سعد والخالص، وهجروا اكثر من 100 الف من سكانها السنة. أما الكرد فانهم عززوا الهيمنة الاحادية لديموغرافيا الاقضية التي استقطعوها من المحافظة، على الرغم من تبعيتها الشكلية للادارة المشتركة للمحافظة.
الكرد يتوافدون بنسبة 3٪ على كركوك سنويا، في حين يعاني عربها وتركمانها ومسيحيوها من التناقص القسري نزوحا وتهجيرا وتنفيرا، خاصة بعد السيطرة الكردية المطلقة عليها. بعد ان سيطر البيشمركة على سهل نينوى، خاصة سنجار وتلكيف وبعشيقة، تتربص الان للسيطرة على كل الجهة الشرقية من نهر دجلة، الذي يشطر نينوى الى شرق وغرب، فالكرد يريدون احتواء كل مناطق الاقليات الايزيديــــة والشـــبكية والاشورية، وقد كان لـ«داعش» الفضل الاكبر لتقـــدم البيشمركة وتحقيقهم مرادهم وبدعم من التحالف الدولي وبدون ممانعة بغداد، أو ممانعة موصلـــية، فرب ضارة نافعة، وبذريعة «داعش» تنتهك الذرائع.
في مناطق الجنوب والوسط حوصر السنة في مناطق هي عبارة عن جزر سكانية متناثرة في وسط محكوم بغلبة شيعية طائفية، كالزبير وصفوان في البصرة والاسكندرية والمحاويل في الحلة، حتى في بغداد مورست سياسة التطهير الطائفي على مناطق حزامها، مثل ابوغريب والمحمودية وجرف الصخر والمدائن والرضوانية واليوسفية واللطيفية، اما داخل بغداد فيتم خنق احياء الاعظمية والصليخ والعدل والشرطة والكفاءات واليرموك، ذات الاغلبية السنية، ويجري تدريجيا الضغط على المناطق المختلطة كالدورة والسيدية والوزيرية وزيونة والجهاد، لتجفيفها من السكان السنة، لقد قتلت الميليشيات الطائفية العديد من نازحي الرمادي في المناطق المختلطة من بغداد لاجبارهم على تركها والتمركز غربا حيث ميدان المجزرة المتواصلة. لم تسلم المناطق الغربية من سياسة التغيير الديموغرافي المتوائمة مع اللسان الشيعي المراد له ان يمتد من بغداد الى الدجيل 60 كيلومترا شمالا ثم قضاء بلد 85 كيلومترا شمال بغداد حتى سامراء 120 كيلومترا شمال غرب بغداد حتى جنوب غرب الموصل، حيث مدينة تلعفر التي فيها اغلبية تركمانية شيعية!
الحشد الشعبي هو الحلقة المفقودة التي أوجدها مهندسو المشروع الايراني للتناغم مع الهندسة الامريكية للدواعش متعددي الجنسيات والولاءات والمخابرات، فالتعادلية الخلاقة تفترض الغلبة الطائفية الشيعية لانها مسنودة ميدانيا بمقدرات السلطة في بغداد وبحث مادي ومعنوي ايراني، فالحكم الطائفي في العراق لا يتعزز الا بالانعزال والهيمنة الطائفية وخلوه من اي مشروع وطني يجعله يتبنى المشروع الايراني بالاستعاضة!
ايران تعرف ماذا تريد وامريكا تعرف ايضا، فهل بقي عراقيون يعرفون ماذا يريدون ؟ نعم نحن نعرف ان الكرد يريدون دولة مستقلة، والشيعة يريدون دولة بحكم طائفي وبولاية الفقيه او بالمرجع الاعلى باحسن الاحوال، السنة يريدون دولة تنقذهم من التقزيم، اين العراقيون اذن من بين هؤلاء وماذا يريدون؟ أليس هناك من يدعو الى دولة عراقية وطنية حقا، خارج نطاق الهيمنة الايرانية والامريكية، دولة عربية اسلامية ديمقراطية حقا لا تؤمن الا بالمواطنة ولا غيرها قولا وفعلا؟ لو خليت قلبت، والعراق الذي نريد قادم مهما طال الزمن!

Related Posts

LEAVE A COMMENT