العراق بين كوليرا «داعش» وطاعون إيران

أمير المفرجي
لم تنجح الأحزاب المذهبية التي تحكم العراق منذ استلامها للسلطة في 2003 من بناء صيغة وطنية عادلة قادرة على جمع العراقيين، نتيجة لتباين ولاء زعماء الأحزاب المذهبية وأثره بالتالي على شكل النظام السياسي، مقارنة بنجاح الإنسان العراقي البسيط المتمثل في حب العراق والحرص على وحدته ومستقبل الوطن من شماله إلى جنوبه، على الرغم من قسوة الأوضاع والتداعيات التي فرضتها المعادلة الطائفية الجديدة.
فعلى الرغم من التفاوت والخلل الكبير في إشكالية إعادة ترتيب تسلسل تركيبة المجتمع العراقي الجديد بعد تقسيمه إلى شيعة وسنة وأقليات، بيد أن الشعور المشترك العام في الشارع العراقي يتمثل في ضرورة تضامن العراقيين ومحاربة خطر التقسيم والفتنة المذهبية، والتشديد على العمل للحفاظ على وحدة العراق وشعبه وأرضه. فالعراقيون شيعة وسنة لا يريدون تقطيع العراق وتقسيمه، رغم الخلافات والإشكاليات التي ظهرت في الأفق نتيجة الصراع الطائفي والإقليمي بين مليشيات أحزاب إيران من جهة وتنظيمات «داعش» ومن يقف خلفها ويساندها جهراً وعلانية من جهة أخرى.
فمنذ احتلال العراق، ونتيجة للثقافة الطائفية المهيمنة على هرم السلطة الحاكمة ومؤسساتها السياسية والاجتماعية، فشلت جميع الحكومات العراقية التي حكمت البلد منذ تلك الفترة في الحصول على شرعية واسعة تمثل جميع مكونات الشعب العراقي، نتيجة للبعد الخاطئ والمتعمد في اتجاه البوصلة الوطنية وانحرافها الخطير إلى مجال قوة الجذب الفارسي المؤثر والمسيطر، بعد تدمير العراق وتفتيته. فثمة نية حكومية معلنة من خلال هذا الانحراف، يراد من خلالها تغيير وإبدال المجال الوطني العراقي المتسامح بمجال إيراني أجنبي استعماري ومذهبي طامع.
أبرز نتائج انحراف البوصلة الوطنية العراقية وتحرك مؤشرها باتجاه الجمهورية الإسلامية، هو هذا الانزلاق الخطير نحو الثقافة الطائفية والفتنة بين العراقيين، وانهيار هيبة سلطة الدولة الوطنية الحاكمة ومؤسساتها، بعد ان سيطرت الاحزاب المذهبية وميلشياتها التابعة لولي الفقيه على أجهزة ومؤسسات البلد الأمنية، ما أدى إلى تنامي الدور الإيراني في العراق، وبالتالي شجع على تهيئة التربة الخصبة لرد فعل سني متطرف، ترجمه تمدد تنظيم «دولة الخلافة الإسلامية» المتطرف، ونجاحه في دفع قسم من المناطق العراقية التي اضطهدها النظام العراقي الجديد من الالتفاف حوله، بعد أن فقد القسم الكبير من العراقيين الثقة بالحكومة العراقية السائرة في الفلك الإيراني، وبطش أذرعتها المسلحة، وبعد أن فقد النظام العراقي بالتالي شرعيته كممثل رسمي لكل العراقيين، وبغض النظر عن انتماءاتهم المذهبية. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن فقدان النظام العراقي لشرعيته في عيون وقلوب المكون السني المضطهد، لا يعني قبول هذا المكون العراقي بشرعية الدولة الإسلامية وثقافتها الارهابية.
لاشك أن أهمية إعادة التوازن الإنساني للمجتمع تعني إعادة وتوحيد الهوية العراقية للإنسان العراقي، عن طريق فصل تدخل الدين أو المذهب في أمور البلاد وعمل مؤسساتها. كما أن أهمية إعادة التوازن الإنساني للمجتمع، تعني أيضا رفض العراق في أن يكون طرفا في الصراع القومي والمذهبي الإقليمي، فنحن عراقيون قبل أن نكون سنة أو شيعة وأقليات
لقد سجلت الأحداث بمصداقية أن جريمة غزو بلاد الرافدين وولادة تحالف أمريكي ـ إيراني مهدت لبداية مرحلة هيمنة إيرانية جديدة، وصعود الشعور الطائفي القومي الفارسي، الذي أفرز بدوره رد فعل مضاد تمثل في توسع وانتشار الثقافة الإسلامية العربية المتطرفة، وانضمام العديد من ضباط الجيش العراقي السابق، ممن تصدوا للاحتلال الأمريكي، في صفوفها، الذين رأوا في جرائم وغدر النظام العراقي الجديد الهادفة إلى إنهائهم وتصفيتهم، ناهيك عن الصدمة النفسية والفطرية التي جاءت نتيجة لاحتلال العراق العربي وتسليمه من قبل الولايات المتحدة الأمريكية على طبق من ذهب للنظام الإيراني، ومن تحالف نظام طهران مع أمريكا والغرب لإنهاء العراق عربيا وإقليميا، التي كانت بمثابة طعنة في الظهر، لم تنقطع دماء العراقيين «شيعة وسنة» في النزف من هذا الجرح العميق لحد الآن.
وفي الوقت الذي تـُناقض الإدارات الأمريكية ورؤساؤها هذا الطرح وتلقي اللوم على العراقيين أنفسهم، إلى حد الإشارة والتلويح في تحليلها النهائي على أن العراقيين هم المسؤولون عن احتلال بلدهم وتدميره، يتفق الشارع العراقي «بشيعته وسنته وأقلياته» في ان تدمير العراق وتسليمه لإيران على طبق من ذهب لم يكن غلطة وسوء فهم، حيث ان هدف أمريكا من غزوها للعراق لم يكن لتدمير أسلحة الدمار الشامل، التي لم تكن أصلا موجودة، ولا حتى من أجل نشر الديمقراطية. فمن هو المحق ومن هو الصادق، أمريكا أم العراقيون؟
المحق هو من يريد عودة السيادة للعراق والسلام والوئام بين العراقيين. والصادق هو من يعترف في أن تسليح مليشيات إيران في الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، سوف لا يحل المشكلة، من دون التفكير لإيجاد الحلول المناسبة لإشكالية المشهد العراقي الجديد في ما يتعلق بملف الإصلاح السياسي ومساواة كافة الأطياف العراقية في العملية السياسية وإعادة التوازن الاجتماعي بين مكونات الشعب العراقي، بعيدا عن نظام حكم المذهب الواحد الذي أفرزته التدخلات العسكرية والمذهبية للولايات المتحدة وإيران، والذي لم يجن العراق منه غير الفوضى والتفتيت والدمار.
الشيء المهم الذي تستطيع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي القيام به بموضوعية وإنصاف هو المشاركة في إعادة التوازن التاريخي للمجتمع العراقي وطرد إيران وإيقاف تدخلها في الشؤون العراقية. لأن دحر إرهاب تنظيم «الدولة الإسلامية» وترك المليشيات الإيرانية السائبة سيكون أشبه بقبول الغرب وأمريكا إنقاذ العراقيين من خطورة مرض كوليرا «داعش» وتركهم للموت بطاعون إيران.

Related Posts

LEAVE A COMMENT