رؤى :المونتاج لا يصلح للتاريخ

عصام فاهم العامري
لفت نَظري تصريح لأحد النواب يشير فيه ان عدم استضافة نائب رئيس الجمهورية نوري المالكي في لجنة التحقيق بشأن سقوط مدينة الموصل بيد داعش يأتي لكونه ليس قائداً ميدانياً، مؤكدا أن الإصرار على استضافة المالكي هو جزء من تسييس القضية.
وأظن ان السيد النائب أراد بتصريحه ان يعمل مونتاجا لما حصل في الموصل، فهو يريد ان يلقي تبعية ما حصل على القادة الميدانيين، مستبقا ومصادرا لاستنتاجات اللجنة التحقيقية وتوصياتها بالقول “أن ما حصل في الموصل هو تسليم واستلام وأعمق من تخاذل”.
وعلى افتراض صحة ذلك فإنه يثير العديد من الأسئلة، يا ترى هل هذا الأمر يعفي القيادات العسكرية العليا من ذلك وهي التي كانت المعنية والمسؤولة عن اختيار القادة الميدانيين؟
وهل يمكن عزل النكسة التي حدثت في الموصل في حزيران 2014 عن الأجواء والأوضاع السياسية سواء في الموصل أو البلد ككل؟ وبالتالي إذا كانت نكسة الموصل مرتبطة أسبابها بقادتها الميدانية، فما الذي حصل في صلاح الدين وحتى كركوك؟ هل تبخر القوات العسكرية في صلاح الدين وكركوك أيضا مسؤولية القيادات الميدانية فيهما؟
أظن ان السيد النائب صاحب التصريح مثله مثل آخرين يريدون ان يمنتجوا وقائع التاريخ وفق سيناريو يبررون فيه ما حصل لدواع سياسية.. ويقيني ان وقائع التاريخ لا يصلح معها المونتاج لا سيما إذا كان هذا التاريخ لم تبرد وقائعه وإنما ما زالت حية وحاضرة في الأذهان والنفوس وآثارها ونتائجها مؤثرة وقائمة.
ويبدو لي ان أصحاب هذه الرؤى عندما يختزلون التاريخ القريب بتقديم علله وأسبابه بفكرة التآمر الإقليمي والدولي او حتى بالاعتماد على فكرة التخوين لهذه الجهة او تلك من القيادات الميدانية او الأطراف الداخلية إنما يحاولون ان يسقطوا من الذاكرة الجماعية العراقية تفصيلات ما جرى وأسبابه على النحو الذي يفعله السينمائيون لتسليط الضوء على مشاهد معينة ويسقطون مشاهد بهدف عدم الترهل في الإيقاع السينمائي والتخلص مما هو زائد قد تضر بالعمل وجماليته الفنية.

وما يصلح في السينما لا يصلح بكل الأحوال مع تاريخ وواقع شخوصه حية وتفصيلاته قائمة.
ولعل ما يقوم به “مونترات” السياسة الذين يريدون قص وقائع وتفصيلات تاريخية عن أسبابها وأبطالها ورموزها وإلقاء تبعيتها على رموز وأبطال ثانويين إنما هم بالفعل يسعون للمحافظة على الوضع القائم ولا يسعون لتحسين أوضاع العباد والبلاد، فهم يمارسون التعمية على الفساد وسوء الإدارة والشخصنة وسياسة التمييز الطائفي والاستئثار والإبعاد والديكتاتورية التي قادت الى هذه الأوضاع وهذا السوء الذي يكتنف وقائعنا ليس في الأمن والسياسة وإنما أيضا في الاقتصاد والخدمات والحوكمة الديمقراطية وإعلاء المواطنة وسيادة القانون. وأعتقد ان هؤلاء المونترات إنما هم جزء من مرحلة سابقة وحفرياتها وان تجاوز هذه المرحلة والانطلاق الى المستقبل يتطلب ليس فقط معالجة ظروف المرحلة السابقة وأسبابها بل أيضا رموزها وشخوصها.

Related Posts

LEAVE A COMMENT