خلافات سياسية وليست طائفية

“واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم اذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون” (ال عمران 103). يصعب على أي إنسان عاقل يفكر بشكل منطقي أن يقبل فرضية أن الخطاب الطائفي المتطرف, الذي ارتفعت نبرته في السنوات القليلة الماضية في الشرق الأوسط يمثل خلافاً جذرياً او مصيرياً بين أبناء الأمة الإسلامية, فالضجيج الطائفي الحالي يمثل مفارقة تاريخية لا يسندها المنطق ولا الأدلة التاريخية ولا تؤكده المعطيات الأساسية في الحياة اليومية الإسلامية الاعتيادية.

أغلب الخلافات والمنازعات الإقليمية على سبيل المثال تستند إلى تناقض وجهات نظر سياسية بحتة تتعلق بالتنافس الإقليمي, ولا علاقة لها بشكل فعلي بالتنوع أو التفاوتات الطائفية, التي لم تسبب أي نزاع او صراع تاريخي مصيري طوال القرون الأربعة عشر الماضية. وإذا كان جزء كبير مما يحدث في الشرق الأوسط يرتبط أولاً وأخيراً بالتنافس السياسي وبتصارع بعض الإرادات الشخصية فلماذا يظن البعض أننا في الشرق الإسلامي نواجه تحدياً مصيرياً دينياً او مذهبياً? لا أعتقد شخصياً أنه يوجد سبب منطقي وفقاً للمقاييس والمقارنات التاريخية الاعتيادية يشرعن التناحر الطائفي المفبرك.

ما يحدث من بعض تلاسن وتشاحن طائفي بين بعض المتطرفين القلائل يعبر بشكل أو بآخر عن استسلام هؤلاء للإفراط العاطفي وتغليبهم للعاطفة والأحكام المسبقة المختلقة ونأيهم بإراداتهم عن التفكير العقلاني والمنطقي, أما الفرد المسلم المعتدل فيعرف في قرارة نفسه أن ما يجمعه مع أخيه المسلم الآخر أكثر مما يفرقهما, وأن ما يتشارك به عامة المسلمين أكثر رسوخاً وصموداً امام أي عواصف طائفية مزيفة يهدف من ورائها أهل الفتن والقلاقل والأعداء الحقيقون إلى تفتيت عروة الإسلام وتفريق المسلمين.

المُفرط والمندفع عاطفياً هو من ينزلق باختياره نحو الخطاب الطائفي التفريقي, ولكن القرآن الكريم يؤكد اننا كمسلمين أمة واحدة بالآيات التالية: “إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ”(الأنبياء: 92 ), “وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ “(ال عمران:105 ), “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” (المائدة: 2). أبعد هذا الذكر القرآني العظيم سيوجد شك لدى أي إنسان عاقل بأن الخلافات الجارية حالياً في الشرق الأوسط ليست طائفية, بل سياسية بحتة!

Related Posts

LEAVE A COMMENT