رسالة إلى هولاكو

رباح ال جعفر
كم مرة سقطتْ بغداد في التاريخ، وكم مرة استبيح نهرها الخالد، وأغرقوه بالجثث وفاض بمنسوب الدم والحبر، ودارت على ضفافه السمراء رحى غيظ مجنون؟!
نبشّرك يا هولاكو أن الديمقراطية انتعشت في بلدنا، وأصبحت لدينا انتخابات، وصناديق اقتراع، وبطاقات ناخبين، وهيئات مستقلة، وقضاء غير مشكوك في نزاهته، ومجلس نواب من جميع المكونات والأطياف، ومجالس محافظات تتسع لجميع الملل والنحل، وحكومة اقتسمت ما تبقى من أشلاء الوطن، ورؤساء جمهورية بلا جمهورية.
يسعدنا أن امتلأت بيوتنا بالصحون والأطباق اللاقطة، وعرفنا الفيدرالية والإقليم والحكومة المحلية وحكومة المركز. وأن لدينا ألف صحيفة وإذاعة ووكالة أنباء وقناة فضائية وثلاثين ألف صحفي، وجيوشاً الكترونية وفضائية، وألف ألف حزب واتحاد ونقابة ومنظمة مجتمع مدني، وألف ألف راية.
ما أجمل الديمقراطية يا هولاكو بعدما كنّا محرومين من لائحة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وجميع حقوق الأمم المتحدة، وبيان منظمة العفو الدولية. صار بوسعنا أن نستنشق نسمات الحرية، ونتعافى من الديكتاتورية، والدولة القمعية، ونصنع قرارنا السياسي من دون تدخل خارجي، ونتعاطى التعددية والشفافية ودولة القانون والمؤسسات، ونتظاهر في الشوارع، ونهتف في الساحات المفتوحة وغير المفتوحة، ونعتصم في الميادين، ونطالب بالحقوق، ونرفع الشعارات، ونكتب بحرية في فيسبوك، ونغرّد في تويتر، ونتداول الصحف والكتب الممنوعة، ونستعمل الهواتف الجوالة ونتحدث من دون أجهزة التصنت، ونتصفح الإنترنيت، وانفتحت شهيتنا في الظهور على الفضائيات، وازدهرت مهنة التحليل السياسي، والارتزاق السياسي، والهدايا والأعطيات، والتكسّب بالنفاق.
إننا اليوم بأفضل حالاتنا يا هولاكو. انقضى زمن المرارات، والدم، والحروب المتهورة. والغزوات، والكآبات، والمغامرات المجنونة. انتهى عصر المخبرين السريّين، والتقارير المكتوبة بالحبر السري، والعيون السرية، والاعتقالات العشوائية، وسجناء الرأي، والخوف من الرقيب، والترهيب من زوار الفجر، والزي الرسمي للمانشيتات والافتتاحيات، والكتب محدودة التداول، واعتقال المخيلات، وتكسير عظام المعارضين، وقلع أظفارهم، وفقا عيونهم، وجدع أنوفهم، وإطفاء السجائر في أجسادهم، والممنوعات والمحظورات والخطوط الحمر، وقتل الشاهد.
صحيح أن ثلثي الشعب يعيشون تحت خط الفقر. صحيح أننا لا زلنا نحلم بمياه صالحة للشرب، وبساعتين من الكهرباء في الصيف، وبمستشفيات متطورة، وبأدوية غير منتهية الصلاحية، وأغذية صالحة للاستهلاك البشري، وبجامعات لا تنجب قوافل من شباب عاطلين، وبفرصة عمل نستطيع من خلالها العيش الكريم، وبعودة النازحين إلى بيوتهم، مثلما لا زلنا نحلم بالمواطنة والمساواة أمام القانون، لكننا أيضا نعيش عصر الديمقراطية العظيمة بامتياز. إنها ليست مجرد أوهام وكلام يا هولاكو!

Related Posts

LEAVE A COMMENT