ماذا بعد تكريت؟

يونس السيد

تحررت تكريت وعادت إلى حضن الوطن الأم، بعد عملية عسكرية معقدة ومركبة، شهدت توقفاً لأيام عدة، قبل استئناف مرحلتها الأخيرة، وطرد تنظيم “داعش” الذي كان يسيطر عليها منذ يونيو/ حزيران الماضي .
وبغض النظر عن الثمن الباهظ الذي تم دفعه، بالمقابل، من خسائر بشرية ومادية كبيرة، فإن تحرير المدينة، فوق دلالاته ورمزيته، يمثل نقطة تحول استراتيجي في الصراع مع التنظيم الإرهابي على أرض العراق، تماماً كما مثل تحرير عين العرب (كوباني) ذلك التحول في سوريا . ولكن ماذا بعد؟
مهما حاولنا تجنب الحديث عن دور الميليشيات المسلحة الذي أفسد الكثير من مراحل هذه العملية، فإن الخطوة التالية تتوقف إلى حد بعيد، على ما يمكن أن تقوم به هذه الميليشيات بحق أهالي المنطقة، وقدرة الحكومة على لجم الممارسات الانتقامية من عمليات قتل وتشريد ونهب وإحراق للمنازل والممتلكات، كما ظهر خلال الطريق الطويل والشاق لتحرير تكريت . وعلى الرغم من الرغبة الواضحة لدى الحكومة بالخروج من مأزق الطائفية إلى الوطنية الجامعة، والبناء على أسس ديمقراطية، إلا أن المشكلة لا تزال تكمن في مؤسسات الدولة التي تم تشكيلها على ذات الأسس الطائفية في العهد السابق ولم يتم إصلاحها بعد . كما أن المشكلة تكمن في وجود جيوش طائفية مسلحة، وليس ميليشيات فحسب، تمتلك من الأسلحة والآليات الحديثة والمتطورة، بما فيها طائرات من دون طيار، ما يؤهلها لأن تكون أقوى من الجيش العراقي نفسه، الأمر الذي يبقي جذور الصراع قائمة، وربما يفتح على ما هو أشد خطراً كالذهاب إلى حرب أهلية – لا سمح الله – أو استيلاد تنظيمات في غاية التطرف والوحشية والإرهاب قد يكون معها تنظيم “داعش” مجرد حالة ترفية للتسلية لا أكثر . فالأسباب التي أوجدت “داعش” لا تزال قائمة للأسف، وبالتأكيد، هناك من يسعى إلى تسليح نفسه على الأسس الطائفية ذاتها، ويجد من يدعمه في ذلك محلياً وإقليمياً وربما دولياً . كما أن تنظيم “داعش” نفسه الذي كان يعمل تحت راية “القاعدة” منذ عام 2006 ظل قائماً في ظل الاحتلال الأمريكي للعراق، إذ أنه تنظيم كثير التنقل ولا يتشبث كثيراً بالأرض، أو يقدم لها الولاء، وبالتالي فإن خطورته ستظل قائمة حتى بعد تحرير الموصل .
من المفيد التذكير هنا بأن مواجهة “داعش” لا تتم بالعمل العسكري وحده، بل تحتاج إلى عمل كبير من شقين: الأول إنهاء البيئة الحاضنة لمثل هذه التنظيمات، بتوفير الظروف الأمنية والاقتصادية والتنموية والعدالة الاجتماعية لكل هذه الشرائح الواسعة والمعدمة من الشعب العراقي، والثاني إيجاد حل جدي لمشكلة الميليشيات الطائفية، إما بإلغائها وإما بدمجها في مؤسسة الجيش على أن يعاد تثقيفها وطنياً لا طائفياً، وأن يتوج ذلك بمصالحة وطنية شاملة تفضي إلى بناء دولة ومؤسسات وطنية ديمقراطية يشارك فيها الجميع، ويقف فيها الجميع سواسية أمام القانون . وكما يجمع الكثير من العراقيين، فإن الانتصار العسكري لن يكتمل إلا بانتصار سياسي، وهو ما لن يتحقق إلا بالمصالحة الوطنية الشاملة .

Related Posts

LEAVE A COMMENT