في العراق ديكتاتورية الأغلبية الطائفية في الطريق

داود البصري
في العراق حيث الدم المراق يجاور الخرافة, ويتعايش مع اوهام التاريخ وصراع الآيديولوجيات وتناحر الملل والنحل! ثمة مؤشرات واضحة على إرهاصات لصورة مستقبلية باتت واضحة المعالم لكل من يعرف طبيعة وعقلية أحزاب السلطة الطائفية السائدة حاليا! ففي العراق اليوم سباق رهيب من أجل تقرير مستقبل البلد على خلفية حرائق الحرب ورائحة الدخان والجثث المشوية, وحروب الانتقام الطائفية الرثة.
لقد كان واضحا للعيان ولكل ذي بصيرة ومراقب متفهم للأوضاع أن مسارات الأحداث منذ انطلاقة ما يسمى بالحشد الشعبي في أخريات أيام رئيس الحكومة السابق نوري المالكي باتت تنحو نحو نهايات طائفية حادة ومباشرة, وستصب في النهاية في مجرى واضح ومعروف, وهو نهاية التجربة الديمقراطية الفوضوية السائدة, وبداية وضع سياسي جديد تكون الغلبة فيه الإيديولوجيا الطائفية المتعصبة, وللغة السلاح وعبر فرض وقائع متغيرات ديموغرافية ستشكل صورة العراق الطائفي المقسم الجديد الذي يراد له أن يكون ضمن صراع الكانتونات الطائفية المريضة.
في المعارك الأخيرة في صلاح الدين وتكريت والأنبار ووصولا لطريق معركة استرداد الموصل المنتظرة جرت مياه ودماء عديدة تحت كل الجسور العراقية المهشمة, وانهارت هيبة الدولة الوطنية, وتحولت الحكومة بكل مؤسساتها, لفعل ماض ناقص في ظل تغول الميليشيات الطائفية, وخول عناصرها المقاتلة والمدربة والمجهزة إيرانيا على الخط وتقديمها للخسائر البشرية الكبيرة وقيامها بالهجمات العسكرية, من دون معرفة وزارة الدفاع, او أخذ رأي وزير الدفاع الذي دائما ما تسبقه الميليشيات بخطوات كثيرة, وأضحى مستشارو الحرس الثوري الإيراني وفي طليعتهم “السردار” قاسم سليماني, هو الوزير الميداني الحقيقي للدفاع, فهو يرسم الخطط ويتواجد في الجبهات, ويواسي الجرحى ويزور العوائل, بل أنه أضاف لمهماته العراقية الكثيرة مهمة توجيه النصائح والإرشادات لعناصر الحشد, وباللغة العربية المكسرة التي يتحدث بها.
لم نعد نسمع صوت رئيس الجمهو رية البعيد عن المعمعة, ولاصوت رئيس الحكومة, ولا صوت وزير الدفاع بل أصوات سليماني والعامري وأبومهدي المهندس وصولا للمقاتل الطائفي “أبوعزرائيل” الذي يهدد بطحن أهل السنة والإنتقام منهم, رغم أن الحشد الطائفي حرص صوريا على إظهار مشاركة سنية في صفوفه وخصوصا بين أوساط عصابة “عصائب أهل الحق” التي يصفها مقتدى الصدر ذاته بالميليشيات الوقحة.
معلوماتنا تقول, وتؤكد استنادا الى شواهد وأدلة ميدانية أن التيار الطائفي المتطرف يخطط علنا, وبوضوح, وعن طريق توسيع مشاركته القتالية لفرض أمر واقع مستقبلي سيتمخض عن سيناريو إنقلاب داخلي عراقي عبر ضرب العملية السياسية بالكامل, وفرض سياسة الأمر الواقع وتحويل العراق لدولة طائفية من لون واحد تكون إيران عمقها الستراتيجي ومجالها الحيوي, وقمع كل الأحزاب والتيارات العراقية والوطنية المناهضة لذلك السيناريوالذي قطع خطواته الأخيرة في الإعداد والاستعداد للتنفيذ أيضا, وتحت غطاء إن التضحيات الدموية التي قدمها الحشد لابد من أن تثمر عن نتائج ميدانية على الأرض! لذلك كان القصف الإعلامي الإيراني والتركيز على أهمية العراق بالنسبة الى النظام الإيراني, وعلى العمق الثقافي الذي يربط البلدين كجزء من امبراطورية ولاية الفقيه الطموحة التي حدودها الجنوبية بحر العرب والغربية البحر المتوسط, وتمتد شرقا لما وراء خراسان التاريخية.
إنه العصر الإيراني في العراق وقد تسارعت خطاه عبر استغلال الظروف الدولية وتفعيل ماكينة التخادم القديمة, واستثمار العلاقات التاريخية بين أحزاب الحكومة العراقية الطائفية كـ “الدعوة” و”المجلس الأعلى” والجماعات التي نشأت بعد ذلك في قيام وضع عراقي جديد تكون فيه الطائفة الأكبر عددا هي المهيمنة, وهي التي تسوس الامور من خلال رجال النظام الإيراني الثقاة والموالين, والمعروفة هويتهم والذين يديرون العمليات العسكرية اليوم, فتحت ستار “داعش” ومحاربة “داعش” ومقاومة الإرهاب تتم صياغة وضع عراقي جديد يكون أهل السنة ضحيته الأولى والمباشرة, وتكون التجربة الديمقراطية الناقصة هي المستهدفة نحوتحقيق ديكتاتورية الأغلبية!
كل المسارات والنهايات باتت واضحة وملموسة ولم يبق تنفيذ السيناريو ميدانيا سوى اللمسات الأخيرة التي ستقررها طبيعة التفاهمات الأميركية-الإيرانية حول الملف النووي والصفقات والبنود السرية التي ستتضمنه.
العراق يسير نحومستقبل مجهو ل ومظلم… مالم تحدث معجزة تغير مسار التوجهات.

Related Posts

LEAVE A COMMENT