عملاق وعلم

حاتم حسن
علم في ميدانه، يعترف في مخطوطة مذكراته… إن ما بات يهدد وينغص ويحاصر شيخوخته هو سلوكه وتصرفه الغبي والهمجي وعديم الضمير والإحساس مع عملاق في ميدانه أيضا.. ذكرى باغتته وهيمنت عليه وجعلته يكره نفسه ويحتقرها ويتمنى لو كانت وهما وافتراءات ذاكرة.. ذكرى تحط عليه مثل ذبابة ليل أو ذبابة كلب عملاقة ولا يستطيع منها فكاكا ولا هروبا.. ولا يستطيع أن يفهم كيف سولت له نفسه أن يتصرف مع ذلك العملاق المترفع تلك المعاملة المخزية.. وكيف احتملها منه ولم يعمد لدهسه ورفسه وإبعاده عن طريقه….؟؟؟
إنها قناعات بلهاء وغبية وبالغة التخلف والحمق تلك التي أملت عليه ذلك التصرف.. وانه إذ يلوب الآن ويتقلب ويزوغ فانه أيضا يساوره انه إنما يدفع الثمن والعقوبة ويكفر عن عاره دون راحة.. ودون أن يتنفس الصعداء.. ودون أن يقبل نفسه ودون أن يستوعب حماقته وعاره..
كل عمل شريف مصدر إحساس لشرف صاحبه ولمحيطه.. فالمرء يبذل جهده ويسعى ليحقق نفسه ويبني حياته بالعمل… ولكن صعوبات الحياة قد تجعل العمل بابا أو وسيلة لكسب العيش… حمال، بقال، سباك، كناس، بواب، سمكري… وكان والد ذلك العملاق من ذوي مثل هذه المهن… فوجدها المتخلف المغلق مثلبة وعيبا وكل ما يدعو للاختفاء والتواري عن الأنظار حياء وعارا… فكان ينغزه ويلمزه وينال منه ويتباهى بمعرفة سر ابيه… فهذا العملاق الكبير.. بصيته وموقعه المؤثر ومهابته إنما أباه بتلك المهنة الضئيلة.. فاتخذ من معرفته (سر) أبيه سيف تهديد.. وذريعة إهانة…
كيف حدث هذا ولشهور وأكثر؟؟ كيف لم ينتبه ولم يدرك انه إنما يضع نفسه في الموضع المهين… وان ما يدعو العملاق للتفاخر بكفاح وجهاد وعصامية أبيه رآه هو على النقيض… فكيف تحمل حماقاته وتخلفه وقرفه كل الوقت؟؟؟
إنها ثقافة وتلقينات وسذاجات متوارثة لم يراجعها ولم يتأملها… والأكيد أن بشرا كثيرين يستنسخون ذات الأوهام واليقينيات البليدة ويبنون أحكامهم وسلوكهم عليها… ودون تأمل ومراجعة واستدراك… بل هو ترداد وتقليد لصوت الغوغاء..
ولكن كيف لواحد مثله أن يقترف مثل هذه الشناعة؟؟ وهل سيكفر عن فاحشته بالتحديق بها والوقوف على جمرها طويلا؟؟؟
وإذا كان قد اقترفها وهو بهذا الوعي، ما الذي سيقترفه الأكثر جهلا وتخلفا واوراما نفسية؟؟ وهل ينتظر بعض عراقيي اليوم وقتا من الشعور بالخجل ومن الامتعاض الذاتي لانهم أقحموا وافتعلوا أسبابا للاختلاف والمناكدة وللنيل من الآخر..؟؟؟

Related Posts

LEAVE A COMMENT