بزوغ وانهيار الإمبراطورية الإيرانية المقدسة

داود البصري
لم تكن التصريحات التي أدلى بها مستشار الولي الإيراني الفقيه لشؤون الأقليات علي يونسي والتي أعلن فيها عن عودة وانبثاق الإمبراطورية الإيرانية الساسانية الجديدة وعاصمتها بغداد مجرد مزحة ثقيلة، أو فلتة من فلتات اللسان، بل إنها تعبير حي وميداني عن البرنامج التبشيري الإيراني الذي اكتملت فصوله وبانت معالمه وتوضحت وترسخت أطره.
ففي نفس السياق هدد رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني الكويت بمصير أسود وبكونها ستسقط في حال سقوط نظام الأسد في الشام، وفي الوقت نفسه أيضا وبالتزامن مع هوجة التصريحات الإيرانية الساخنة أعلن أمين مجلس الأمن القومي الإيراني وزير الحرب الأسبق علي شمخاني عن الدور الإيراني المباشر في منع سقوط بغداد وأربيل بيد تنظيم الدولة والمسلحين.
وقد ترافقت كل تلك التحركات والتصريحات مع زيادة هائلة في التدفق العسكري الإيراني المباشر في عمق الشرق القديم، من خلال توسيع مساحات التحرك والتدخل المباشر في العراق وإدارة العمليات العسكرية في جنوب سوريا ودفاعا عن نظام دمشق، والأخطر من هذا وذاك الدعوات الإيرانية الصريحة لبناء مجاميع وفرق (الباسيج) أي المتطوعين، أي تأسيس (الحرس الثوري) وهو ما يقوم به اليوم الجهد العسكري والسياسي الإيراني في العراق تحديدا، حيث برز الحشد الشعبي كنواة تأسيسية أولى لمؤسسة الحرس الثوري العراقي! بعد أن أنيطت مسألة تنظيم الأمور الإدارية والميدانية لعناصر عراقية لعبت أدوارا هامة في ترسيخ مشاريع النظام الإيراني العسكرية في الشرق من أمثال هادي العامري والإرهابي المطلوب للولايات المتحدة ولدولة الكويت جمال جعفر محمد (أبو مهدي المهندس)، والذي باتت قيادات الدولة العراقية الحالية تزحف إليه لتنال بركاته ورضاه كما فعل رئيس الحكومة حيدر العبادي ورئيس البرلمان سليم الجبوري، أي أن ذلك المطارد الدولي والهارب من حكم الإعدام في الكويت تحول ليكون مركز قوى كبيرا في العراق تخضع لإرادته مؤسسات الدولة.
لقد نجح المشروع الإيراني في العراق نجاحا مبهرا من تحت يافطة (حروب داعش) المتواصلة التي كرست وعمقت التدخل العسكري والأمني والسياسي الإيراني الواسع بعد أن أسقط التحالف الدولي جهاز المناعة الوطنية العراقي ودمر مؤسسته العسكرية وهشم البلد لطوائف وملل ونحل، فكان البديل الإيراني القوي الجاهز والمستعد هو الخيار الأنسب لسد الفراغ الهائل.
الإيرانيون بعد زيادة تصريحاتهم يشيعون أجواء الزهو والانتصار، فقد تحقق فعلا وعد الرئيس رفسنجاني القديم أوائل تسعينيات القرن الماضي حينما قال: إن الإستراتيجية الإيرانية تهدف لجعل الجندي الإيراني يتحرك بسلاسة في الطريق من كابول الأفغانية لبيروت اللبنانية على البحر المتوسط مرورا بعاصمتي الخلافة بغداد ودمشق.
بل أضيف للمشهد والسيناريو الذي كان متخيلا مضيق باب المندب والبحر الأحمر بعد التقدم الحوثي في اليمن.
المشكلة في الدعاية الإيرانية أنها تبالغ كثيرا في القدرات وتتحدث عن التقدم التكتيكي بوصفه حالة إستراتيجية، متناسية أن إمبراطوريات عظمى كانت قد غرقت في رمال الشرق الأوسط المتحركة، وأن الإمبراطورية الإيرانية المقدسة التي يتحدثون عنها مجرد دعاية زاهية تحمل معها عوامل وأسباب فنائها.
فالتوسع الجغرافي وبما هو أكبر من الإمكانات المتاحة يشكل عنصر استنزاف قاتلا للقدرات الإيرانية المحدودة أصلا، ففي العراق يقاتل الإيرانيون بالإمكانات العراقية رغم أنهم قدموا خسائر بشرية مروعة ومؤلمة، أما في الشام فإن القدرات الإيرانية تتآكل في نظام قد تآكل بالكامل وأضحى وجوده مرهونا بالدعم الإيراني المباشر، أي أن الإيرانيين قد وقعوا في فخ الاستنزاف وكذلك الحال في اليمن وجبالها التي ابتلعت جيوشا وجيوشا، كما نعلم عبر قراءة سريعة للتاريخ.
لقد وصل المشروع التبشيري الإيراني النشط منذ ثمانينيات القرن الماضي لنهايته، وابتلاع الشرق ليس بالسهولة التي يتصورها صانع القرار الإيراني، والاستجابة للتحدي الإيراني هي اليوم تتفاعل بشدة وشراسة وبما من شأنه تغيير المشهد بالكامل قريبا، لا بديل عن الحوار والتفاهم السلمي واحترام خيارات الشعوب الحرة، لقد انتهت المشاريع والأحلام الإمبراطورية وبات الحديث عنها يمثل حالة من الهلوسة والهرطقة، أما السعي وراء الأحلام، فهو مسألة خطرة سترتد على أصحابها وبالا، وتجارب التاريخ لا ترحم.. فتواضعوا قليلا يا أصحاب الدعوات الإمبراطورية منتهية الصلاحية وكفى غرقا في الأوهام وسباحة في الأحلام!.

Related Posts

LEAVE A COMMENT