مصيدة الإستنزاف الإيراني في تكريت

داود البصري
لعلها من أغرب الصدف أن تكون مدينة تكريت العراقية هي المركز الرئيسي لثقل الهجوم الإيراني المساند للميليشيات في العراق , ففي محور سامراء – تكريت تدور رحى معارك ساخنة لم يتسرب من أنبائها للخارج سوى النزر اليسير! لكن الظاهرة الملفتة للنظر هو تكدس الجثث الإيرانية لعناصر مراتب وضباط الحرس الثوري في مستشفيات سامراء وعلى الحدود الدولية , وإحتفالات تشييع الجثث في المدن الإيرانية, وبما يعيد للأذهان و للذاكرة ذكريات سنوات الحرب العراقية- الإيرانية القاسية, وما حملته من خسائر بشرية مروعة.
الإيرانيون يدركون أن معركة تكريت هي من أشد المعارك تأثيرا لمستقبل الوجود الإيراني في العراق , وغياب الدعم المباشر لقوات التحالف الدولي عنها أدى لأن يدفع الحرس الثوري, ومعه الحشد الشعبي, والميليشيات العاملة لإيران أثمانا باهظة للغاية ليس من السهل استيعابها ولا تحملها, فالحكومة العراقية تشعر بالحرج الكبير من عدد الضحايا المتزايد, وحيث ترسل جثث الشباب المقتول على دفعات لأهاليهم في وسط وجنوب العراق خوفا من ردود فعل قد تتطور لصدامات ليست مرغوبة ولا مطلوبة في هذه الفترة! كما أن حجم الخسائر الكبير جدا قد أدى لعمليات انتقام طائفية بشعة تمثلت في شطط الميليشيات واقدامها على القتل على الهوية, كما فعلوا مع الراعي العراقي المسكين أبو عمر الشمري الذي قتلته الميليشيات الوقحة بدم بارد ومن دون ذنب وكذلك فعلوا مع ذلك الطفل العراقي البريء في ديالى بدعوى أنه كان يقاتل رغم أن عمره 11 عاما فقط لاغير.
وقد ركز الإعلام الغربي كثيرا على ردود الفعل الطائفية و نتائجها التي ستتمخض عن نهاية معركة السيطرة على تكريت! فبعض الأطراف الطائفية لا تتردد أبدا من الولوج بحرب تصفية طائفية نتيجة لتراكم الخسائر و لثقافة التحشد الطائفي المريضة التي سادت اخيرا , حتى وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي بات مبعدا بشكل ميداني عن إدارة العمليات بعد أن تكفل بها كل من هادي العامري والإرهابي الدولي أبو مهدي المهندس بإعتبارهما قادة للعراقيين المنضوين تحت لواء “فيلق القدس” الإيراني! كذلك أضحى “السردار” قاسم سليماني الحاكم العسكري العام, وجنرال الجنرالات, بعد إسباغ حكومة العبادي عليه أسطورة الدفاع عن بغداد في صيف العام الماضي.
وأمام التباطؤ الحكومي الواضح في التقدم نحو تكريت وحجم الخسائر الكبير وغير المتوقع أضطر سليماني للتصرف وفقا لمعطيات الحالة الميدانية وطلب إمداده بلواء دبابات من الفرقة 81 دخلت العراق عن طريق منفذ المنذرية في خانقين, وبمساعدة من حزب جلال طالباني الكردي! كما أن وزير الدفاع العراقي لم يعد يشرف على العمليات رغم أن رئيس أركان الجيوش الأميركية الجنرال مارتن ديمبسي حرص خلال زيارته الأخيرة للعراق على التيقن من خطة تحرير الموصل التي لايبدو أنها ستكون عملية سلسلة أو سهلة, فمساحة العمليات في تكريت لا تتجاوز الأربعين كيلومترا, ومع ذلك شهدت المعركة إنتكاسة حقيقية, فكيف سيكون الوضع في الموصل.
ثم أن الأميركان ليسوا على استعداد للقتال إلى جانب الحرس الثوري الإيراني, فذلك أمر غير متصور ولا واقعي, وسيثير إشكاليات عدة على المستوى الإقليمي أيضا ,من الواضح إن متطلبات المعركة تتطلب توسيع مساحات التدخل الإيراني, وهو ما يشكل أكبر من عملية استنزاف في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها الاقتصاد الإيراني وحراجة مرحلة المفاوضات الإيرانية مع الغرب بشأن الملف النووي, والحرس الثوري يعيش اليوم حالة هستيريا تتمثل في إطلاق التهديدات, وفي الإعلان عن إنتاج صواريخ باليستية جديدة, كما كان إعلان مستشار الولي الفقيه عن قيام الإمبراطورية الإيرانية و عاصمتها بغداد, بمثابة إعلان صريح عن حجم القلق الذي ينتاب الدوائر الإيرانية من حالة النزف القاتل التي تعانيه في معارك العراق.
الأيام المقبلة ستفرز نتائج واضحة لما يدور من صراعات و معارك لم تحسم بعد , ولكن ثمة حقيقة تتبلور في سماء الشرق تقول ان أي تراجع إيراني معناه هزيمة كاملة وهو أمر لن ترضاه طهران لكونه سيرتد داخليا, العراق أضحى اليوم خط الدفاع الأول والأخير وفيه وحوله سيتقرر مستقبل التمدد الإيراني في الشرق الأوسط!

Related Posts

LEAVE A COMMENT