“داعش” . . فيلم أمريكي طويل

د . غسان العزي
برهن تنظيم “داعش” عن حرفية قلَّ نظيرها في قيادة حملات برباغاندا تستخدم أحدث الوسائل والتقنيات . وتعتمد تسجيلات الفيديو، التي يعرضها عبر وسائط الاتصال الاجتماعي وتتناقلها وسائل الإعلام العالمية، على صور عنيفة مرعبة (رجم وقطع رؤوس وحرق بالنار وإعدامات بالرصاص . . إلخ) على خلفية خطاب ناري وألوان لافتة ومؤثرات صوتية تكشف عن براعة في الإخراج وتقطيع المشاهد ومدة العرض المدروسة، ما يشي بأن وراءها متخصصين تخرجوا في استديوهات الغرب ومعاهده وجامعاته .
وتتوجه هذه البرباغاندا المتأثرة كثيراً بالمهنية الهوليوودية إلى نوعين من الجمهور: الجمهور المحلي في العالم الإسلامي بهدف تجنيد المزيد من المتطوعين “الجهاديين” عبر تقديم صورة الشجاع الذي يتحدى أعداء الإسلام ويذبحهم، والجمهور الغربي بهدف زرع الرعب في صفوفه عله يضغط على حكوماته التي تتأثر سياساتها بتوجهات الرأي العام . كما تخاطب في الوقت نفسه المهاجرين المسلمين الذين يعيشون بؤساً وبطالة وعزلة في مجتمعات غربية غنية صاخبة تعج بالترف وصخب الحياة الزائلة . وفي الحالتين يقدم “داعش” بديلاً هو عودة إلى أمجاد الماضي السحيق في مجتمع الخلافة الإسلامية الساعية إلى التمدد إلى أوروبا نفسها (روما) وربما العالم أجمع . وأكثر من يتأثر بهذه الدعاية شباب يفتقر إلى الثقافة الدينية والتوازن النفسي والدراية العقلية، فهي تعده بمكان مرموق في دولة الخلافة على الأرض وبجنة بعدها في السماء .
ينبغي الاعتراف بأن “داعش” حقق نجاحاً لافتاً في تجنيد المزيد من المتطوعين من جهات العالم الأربع، ومن بينهم عشرات من أصول غربية اعتنقوا الإسلام قبل أن يتوجهوا إلى “داعش” للمشاركة في القتل والقتال . فبحسب تقرير ل”سي . آي . إيه”، صدر في سبتمبر/ أيلول الماضي، نجح “داعش” قي تجنيد ثلاثين ألف عضو جديد من دول عديدة غربية وإسلامية التحقوا بصفوفه .
كما نجح التنظيم في التحول إلى أغنى منظمة إرهابية في التاريخ، وذلك جراء عمليات الخطف وطلب الفدية والتهريب وبيع النفط والاستيلاء على المصارف وغيرها فضلاً عن التبرعات التي تصله من أثرياء ورجال أعمال لغايات خاصة بهم وقناعات دينية وايديولوجية وسياسية . وتقول التقديرات إن ميزانية “داعش” للعام الجاري تصل إلى حوالي الملياري دولار على الرغم من خسارتها لبعض مصادر التمويل جراء عمليات القصف الجوي من قبل التحالف الدولي منذ يوليو/ تموز الماضي وانفضاض بعض الممولين الخارجيين عنها .
لقد أصبح “داعش” ظاهرة عالمية تحتل أخباره عناوين وسائل الإعلام بأنواعها وتدخل صور فظائعه كل بيت في نواحي المعمورة ويتبارى المحللون في تحليل أهدافه ووسائله ومهاراته الإعلامية والتكنولوجية . وهي مهارات لطالما تميزت بها الأفلام الأمريكية فتمكنت من غزو الشاشات العالمية لتحقق نسبة الثمانين في المئة من مجموع العروض السينمائية والمتلفزة في العالم منذ عقود طوال إلى اليوم . وبالطبع فإن تطور وسائل التواصل والاتصال ساعد كثيراً في هذا المجال . يقول الباحث الفرنسي المختص بالإسلام السياسي جيل كيبيل: “إذا كان تنظيم القاعدة ابناً لتلفزيون الجزيرة وإلانترنت فإن “داعش” هو ابن تويتر وفيسبوك ويوتيوب” .
لكن رغم كل شيء لم تنجح “داعش” في التأسيس لدولة ولا يبدو بأنها بصدد ذلك على الرغم من الأرض الشاسعة التي استولت عليها ومن “القوانين” التي تفرضها على شعب قوامه ثمانية ملايين نسمة . فلا استراتيجية حكومية لها ولا اقتصاد سياسي ولا تمثيل خارجي أو علاقات دولية ولا حد أدنى من العمل المؤسساتي القادر على الديمومة، فضلاً عن التراجع المريع في قطاعات الخدمات مثل الصحة والتربية والتعليم والكهرباء والمياه وغيرها . أما ولاء المواطنين في مناطقها فهو ناتج عن إرهابها وترويعها لهم وليس عن الاستحواذ على تأييدهم بالحجة والاقناع . لم يكن الوضع كذلك عندما دخل التنظيم إلى مناطق في سوريا يكره فيها الناس استبداد النظام وفي العراق يبحث فيها الناس عن الانتقام من سياسات نوري المالكي المجحفة . فشل “داعش” في تقديم نفسه بديلاً عن الاستبداد بل كشف عن استبداد وحشي قل نظيره في تاريخ البشرية حيث لم يسىء أحد للإسلام الحنيف في طول هذا التاريخ وعرضه كما فعل هذا التنظيم .
لا يستطيع هذا التنظيم الاستمرار معتمداً على الترويع والإرهاب وتجنيد المغرر بهم من أصحاب النفوس المريضة والعقول الضعيفة والثقافة الضحلة والهويات القاتلة . لا بل إن تقنيات الترويع هذه بدأت بالانقلاب عليه . فالأردن، على سبيل المثال لا الحصر، لم يكن أكثر حماسة في محاربته كما أضحى عليه بعد الحرق الشنيع للطيار الكساسبة . وفي الولايات المتحدة بدأت استطلاعات الرأي تكشف عن تأييد شعبي لاستخدام القوات البرية الأمريكية في الحرب على “داعش” . أما الأوروبيون فباتوا أكثر عزماً مما مضى على مواجهته لاسيما بعد تمدد التنظيم إلى ليبيا وتهديده بإرسال خمسمئة ألف مهاجر غير شرعي إلى الشواطىء الإيطالية . وفي العالم الإسلامي يتزايد الشعور بأن “داعش” مجرد أداة استخباراتية لتشويه صورة الإسلام وزرع الفتنة والعودة بالمجتمعات الإسلامية إلى كهوف العصور الظلامية .
وتبرهن المعارك الأخيرة التي هزم فيها التنظيم على يد الأكراد والجيش العراقي والعشائر بأنه دخل في حقبة التراجع عن الذروة التي وصل اليها في يونيو/ حزيران الماضي عندما احتل الموصل، ولو أن طريق التراجع ستكون طويلة قبل بلوغ النهاية المحتومة . ويقول المراقبون إن دولة واحدة، هي تركيا، إذا ما عقدت العزم على إنهاء التنظيم، حيث هو اليوم، فإن أيامه تغدو معدودة .
لكن المخيف أن يعود لينبت في مناطق أخرى، كما بدأ يفعل في ليبيا على سبيل المثال . إنه في أغلب الظن فيلم أمريكي سوف يستمر عرضه إلى أن يقرر مخرجه ومنتجه وكاتب السيناريو والحوار بأنهم حققوا المآرب من ورائه . – See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/014e2188-d956-4b9d-97ce-e2a7e8826758#sthash.4GHcEHWZ.dpuf

Related Posts

LEAVE A COMMENT