تطهير طائفي في البصرة

داود البصري
في مدينة البصرة (جنوبي العراق) تدور رحى معركة طائفية شرسة ومباشرة لأهل المشروع الطائفي التقسيمي في العراق تتمثل في محاولات دؤوبة ومستمرة تدور حلقاتها المركزية بتخطيط ستراتيجي من أطراف معلومة للجميع هدفها تطهير طائفي مقيت يستهدف في نهاية الأمر إستئصال “أهل السنة” في المحافظة عبر مسلسل الترويع والقتل والاغتيال والمطاردة والدفع بالبقية الباقية للهجرة أوالتواري والهروب!
وهو مسلسل إبتدأت معالمه الرئيسية مع ملف ما عرف ب “اجتثاث البعث” بعد الإحتلال الأميركي للعراق ومجيء الأحزاب التابعة لإيران للسلطة والحكم! فتحت راية ذلك الهدف الإجتثاثي المزعوم لم يتم اجتثاث البعث ورموزه أبدا, بل أن من بدأت معاول الإجتثاث بقطفه هم أهل السنة من الشباب المسالم البعيد عن الطائفية الرثة والملتزم الثوابت الوطنية والقومية, والبريء تماما من سقم الروح الطائفية المريضة.
البعثيون الذين مارسوا جرائم ضد المجتمع لم تتم محاسبتهم أصلا بعد دخول الكثير منهم في الأحزاب الطائفية ونقلهم للبندقية من كتف إلى آخر, وأعرف شخصيا العديد من تلك النماذج, وقد كتبت عنهم كثيرا وربما سأعود لنبش سيرتهم قريبا.
المهم إن مسلسل اغتيال أهل السنة في البصرة بقصد تحويل المحافظة لقلعة طائفية مغلقة على مكون طائفي واحد قد تصاعد بشكل مذهل في الآونة الأخيرة مؤشرا على عجز السلطة المحلية التي تديرها أحزاب إيران وحتى تواطئها, فقبل أسابيع قليلة تم اغتيال خمسة من علماء الدين السنة في الزبير بدم بارد, ولم يعلن حتى اليوم عن مسؤولية أحد جنائيا! رغم أن الجاني معروف ومشخص ويتجول بسيارات الحكومة! كما أغتيل رجل دين آخر في قضاء ابي الخصيب, وكان الفاعل مجهولا كالعادة! رغم أن القتل يتم في وضح النهار وأمام الملأ, ولمن يجرؤ على الشهادة وتحديد القاتل وتسميته كما كانت الجريمة الأخيرة بإكتشاف جثة المدرس العراقي السني الشاب وميض خالد الهاجري, وهي مشوهة تماما بعد أن تعرض للخطف بمثابة تكريس منهجي كامل لمؤامرة استهداف السنة التي تبقى علامة عار مشهرة في وجه السلطة المحلية وقيادة الشرطة والمخابرات, وحتى السلطة المركزية في بغداد التائهة والضائعة وسط تغول الميليشيات الطائفية تحت القيادة الإيرانية المباشرة للحرس الثوري, وهي تدير المعارك الطائفية في شمال وغرب بغداد.
لا نشك أبدا بإفلاس الحكومة العراقية التي هي مجرد ظلال باهتة, ولا بتواطؤ حكومة البصرة المحلية التي تدار من طهران, فتلك من حقائق الأمور المعروفة ولا تحتاج لأدلة وقرائن مضافة, لكن استهداف أهل السنة يبقى عملا إرهابيا مباشرا فشلت الدولة في كبح جماحه, وعليها تحمل مسؤوليتها القانونية والأخلاقية بردع المعتدين وكشف الفاعلين وإجهاض المخطط التقسيمي الذي يهدف في نهاية المطاف الى تقسيم العراق وإقامة ملحق صغير وتافه لولاية الفقيه في جنوب العراق, وعلى مشارف الخليج العربي, وأعتقد أن مسؤولية دول”مجلس التعاون” الخليجي كبيرة ومباشرة في التحرك لحماية أهل السنة, لأن المستهدف في نهاية المطاف ليس أهل التوحيد في البصرة وعموم العراق فقط, بل الأمن القومي المباشر لدول المنطقة, وهي مسألة يعيها صانع القرار الخليجي جيدا ويعي أبعادها المباشرة أوالبعيدة, ولكن للأسف لم نلمس أي آليات حقيقية للتحرك وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
أهل السنة في البصرة يعيشون اليوم محنة حقيقية تستهدف وجودهم رغم كونهم أصل المكون البشري في البصرة لقرون طويلة, كما أنهم دعاة للسلام والمحبة والوحدة الوطنية, وليس لهم إرتباط بأي أجندات أو مخططات خارجية مشبوهة.
لقد بدأ مسلسل دمار البصرة باستهداف المسيحيين أولا, ثم استهداف الحريات العامة وفرض الكآبة على الناس ومنع الحفلات الغنائية والإكتفاء باللطميات, ثم تطور الموقف مع استهداف أهل السنة تحت دواعي قتال “القاعد” ثم “داعش”! وليس لسنة البصرة علاقة بتلك الملفات, حتى تطور الأمر اليوم ليستهدف كل عنصر أو شاب سني بريء!
حتى اللحظة لم نلمس من حكومة حيدر العبادي سوى أطنان الكلام والوعود الهوائية الفارغة, إذ مازال عاجزا بالكامل عن الفعل الصريح في ظل التشابكات الطائفية والتداخلات الإقليمية, فأهل السنة ينزفون بغزارة وعلى دول الإقليم تحمل مسؤوليتها, الأخلاقية والإنسانية والقانونية, في حمايتهم قبل أن يقع الفأس في الرأس ويبكي جميع العرب على أهل التوحيد في البصرة وعموم العراق كما بكوا على الأندلس المفقود… إنها لحظات التحدي التاريخية.

Related Posts

LEAVE A COMMENT