العراق: تضخم «دولة الميليشيات» لمصلحة من؟

لم تجد الرئاسات الثلاث في العراق مفرا من عقد اجتماع امس لبحث تهديد القوى السياسية السنية بتعليق مشاركتها في الحكومة والبرلمان، على ضوء استفحال دور الميليشيات والجماعات المسلحة، بعد ان تحولت إلى ما يشبه «دولة داخل الدولة».
ولم يتضح على الفور إن كان الاجتماع الذي ضم رئيس الجمهورية فؤاد معصوم ورئيس الوزراء حيدر العبادي ورئيس مجلس النواب سليم الجبوري، ورئيس مجلس القضاء الأعلى مدحت المحمود قد خرج باي قرارات عملية لمواجهة هذه الظاهرة.
وكان اغتيال احد الزعامات العشائرية السنية على ايدي احدى الميليشيات الشيعية الجمعة الماضي بمثابة «القطرة التي افاضت الكأس» الممتلئ بالفعل من الانتهاكات في العديد من المحافظات.
وجاء القرار المفاجئ للسيد مقتدى الصدر بحل المجموعات المسلحة التابعة له قبل يومين اعترافا صريحا وانذارا قويا من الخطر الذي اصبحت تمثله الميليشيات، بعد ما سببته من»انفلات امني وتأجيج للنعرة الطائفية ونيل من الوحدة الوطنية» حسب تعبيره.
ومن الواضح ان ثمة معطيات واقعية وموضوعية اسهمت في تعاظم دور الميليشيات، ومنها استمرار حال الانهيار داخل الجيش الوطني، وعدم حصوله على التسليح والتدريب اللازمين ليتحمل مسؤولياته في مواجهة تنظيم «الدولة» الارهابي الذي يواصل احتلال ثاني اكبر مدن العراق، إلى جانب مدن وبلدات لا تبعد كثيرا عن بغداد نفسها.
اما الميليشيات، وخاصة ما يسمى بـ«الحشد الشعبي»، فقد تمكنت من تصدر المشهد عسكريا وامنيا، بعد ان حققت نتائج مهمة في مواجهة تنظيم «الدولة» على اكثر من جبهة، مستفيدة من التسليح الإيراني، وكذلك اعتمادها تكتيكات حرب العصابات نفسها التي يستخدمها التنظيم.
فاذا كانت الولايات المتحدة جادة حقا في محاربة الارهاب في العراق، لماذا لم تسلم حكومته صفقات الاسلحة التي تعاقدت عليها ودفعت ثمنها بالكامل قبل عدة سنوات؟ ولماذا لم تساعد في توفير التدريب اللازم للجيش لتمكينه من خوض حرب العصابات لتحرير مدنه. ومن الذي يلقي بالاسلحة والمواد الغذائية لمقاتلي التنظيم في الانبار وغيرها؟ اسئلة تبقى بلا اجابات واضحة.
وهكذا تجد الحكومة العراقية صعوبة في مواجهة الميليشيات في الوقت الذي تعتمد فيه تماما عليها لمواجهة تنظيم «الدولة». الا ان هذا الموقف يعرضها لأخطار قد لا تقل عما يمثل التنظيم الارهابي من تهديد امني. اذ ان تنامي نفوذ الميليشيات لا يمكن الا ان يستفز العشائر السنية والأقليات الدينية والعرقية الاخرى لحمل السلاح، وبالتالي إشعال حرب طائفية. خاصة ان بعض قوات الميليشيات تستغل شعار «محاربة الارهاب» للتصرف وكأنها فوق القانون، بتصفية الحسابات وارتكاب الانتهاكات بعد فرضها الهيمنة على مناطق سنية.
وفي الاطار نفسه فان خطر انسحاب السنة من العملية السياسية قادر على اعادة العراق إلى المربع الاول، حيث ستفقد حكومة العبادي الاساس الاهم لشرعيتها، الا وهو الوفاق الوطني. وليس غريبا ن يؤدي تضخم «دولة الميليشيات» إلى محاصرة «دولة القانون» التي تعهد بها العبادي، ونال الثقة على اساسها. ناهيك عن تكريسه ثقافة التقسيم بل والتفتيت في انحاء البلاد. وهو ما تترجمه طلبات تقدمت بها ثلاث محافظات عراقية امس لجعلها أقاليم تتمتع بالحكم الذاتي أسوة بالإقليم الكردي.
اذ أعلنت لجنة الأقاليم في البرلمان العراقي، أن ثلاث محافظات طلبت رسميا جعلها أقاليم مستقلة ضمن نظام اتحادي، على غرار إقليم شمال العراق.
وقال رئيس اللجنة، خالد المفرجي، إن «المحافظات هي البصرة (جنوب) ودي إلى (شرق) وصلاح الدين (شمال) قدمت الطلب فيما تتحضر محافظة كربلاء (جنوب) لتقديم طلب مماثل».
اما الاسئلة البديهية فهي لمصلحة من يصر البعض على دفع العراق في هذا الاتجاه؟ و إلى متى يبقى ساحة صراعات وتصفية حسابات طائفية واقليمية؟ وماذا يعني استمرار تصاعد نفوذ الميليشيات ليس بالنسبة لمستقبل العراق كدولة فحسب، بل للمحيط الاقليمي المحتقن بالتوترات السياسية والطائفية ايضا؟
المصدر: القدس العربي

Related Posts

LEAVE A COMMENT